
واحات جهة كلميم وادنون.. الحرائق وشح المياه يهددان موروثاً واحاتياً عريقاً
واحات جهة كلميم وادنون.. الحرائق وشح المياه يهددان موروثاً واحاتياً عريقاً
المجهر 24/ عبداللطيف بيه- كلميم |
تواجه واحات كلميم وادنون تحديات متزايدة تهدد توازنها البيئي وخصوصيتها الثقافية، في مقدمتها تواتر الحرائق، وتراجع الموارد المائية، إلى جانب زحف البناء الإسمنتي على حساب النسيج العمراني التقليدي، ما يضع موروثاً واحاتياً عريقاً أمام إختبار حقيقي للحفاظ على إستمراريته.
ويعيد الحريق الذي شهدته واحة تيغمرت، التابعة لجماعة أسرير بإقليم كلميم، إلى الواجهة مخاطر الحرائق التي تهدد عدداً من الواحات بالجهة، والحاجة إلى تعزيز منظومة الوقاية والرصد والتدخل، إلى جانب إعادة تأهيل المناطق المتضررة ودعم جهود إعادة التشجير.
فالواحة ليست مجرد مجال لإنتاج التمور أو زراعة النخيل، وإنما منظومة متكاملة تضم العيون والسواقي والحقول والمسالك والبنايات التقليدية، إرتبطت بها، على مدى أجيال، أنماط العيش والإنتاج والعلاقات الإجتماعية، وشكلت جزءاً من الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة.
وتتفاقم مخاطر إندلاع الحرائق خلال فترات إرتفاع درجات الحرارة، خصوصاً مع تراكم سعف النخيل اليابس والحشائش الجافة، ما يجعل الوقاية المبكرة عاملاً أساسياً في الحد من الخسائر.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تنظيف الواحات بشكل دوري قبل موسم الصيف، وإحداث ممرات عازلة تحد من انتشار النيران وتسهّل وصول آليات الإطفاء، إلى جانب منع حرق المخلفات الفلاحية وتشجيع تثمينها في إنتاج السماد العضوي.
كما تتطلب الوقاية مراقبة الشبكات الكهربائية وصيانتها، وتعزيز الرصد المبكر من خلال نقاط للمراقبة خلال فترات الذروة، والإستفادة من الكاميرات الحرارية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن إعتماد آلية مباشرة وسريعة للتبليغ عن الحرائق وإشراك سكان الواحات في منظومة اليقظة.
أما سرعة التدخل، فتستدعي توفير خزانات ونقاط مياه، وتأهيل المسالك بما يسمح بوصول شاحنات الإطفاء، إلى جانب وضع آلية واضحة للتنسيق بين الوقاية المدنية والسلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح المختصة والمجتمع المدني.
وفي موازاة خطر الحرائق، تواجه الواحات ضغطاً متزايداً على مواردها المائية، وسط مخاوف بشأن تراجع مياه بعض العيون، بالتزامن مع حفر آبار بالقرب منها، ما يطرح تحديات إضافية أمام إستدامة النشاط الفلاحي.
ويبرز، في هذا الجانب، إصلاح السواقي وترشيد إستعمال المياه وتقنين حفر الآبار، بما يساهم في حماية الفرشة المائية والحفاظ على التوازن الهيدرولوجي للواحات.
كما يشكل توسع البناء الإسمنتي على حساب العمارة التقليدية تحدياً آخر، إذ يهدد بتغيير ملامح المجال الواحي وفقدان جزء من الخصوصية العمرانية التي ميزته لقرون، الأمر الذي يجعل صون المباني التقليدية جزءاً من أي سياسة لإعادة تأهيل هذه المجالات.
ولا تقتصر الحماية على الوقاية من المخاطر، بل تشمل أيضاً إعادة تأهيل الواحات المتضررة، وإعادة غرس النخيل والأشجار بأصناف محلية ملائمة، ودعم الفلاحين المتضررين، وتنظيم حملات للتحسيس بمخاطر الحرائق وسبل الوقاية منها.
كما تبرز الحاجة إلى إعتماد مخطط جهوي مستدام لحماية الواحات، مدعوم بموارد مالية وبرامج سنوية للوقاية والتأهيل، مع توثيق أسباب الحرائق وتحديد مكامن الخلل، بما يساعد على تفادي تكرارها.
وبين خطر النيران وضغط الموارد المائية وتغير ملامح العمران، تواجه واحات كلميم وادنون تحدي الحفاظ على موروث حي تتجاوز قيمته النخيل والإنتاج الفلاحي، ليشمل الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية والبيئية للمنطقة.
حماية هذا الموروث، وفق هذه الرؤية، تبدأ بالوقاية وتعزيز اليقظة، ولا تنتهي بإطفاء الحريق، بل تمتد إلى تأهيل الواحات وضمان إستدامة مواردها وصون مكوناتها الطبيعية والعمرانية للأجيال المقبلة.

