سوق السياسة.. بين حصد المقاعد وتزكية الإرث العائلي

سوق السياسة.. بين حصد المقاعد وتزكية الإرث العائلي

حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم : ذ. إبراهيم أبهوش- صحفي مغربي|

ارتفعت حرارة الصيف وارتفعت معها حركات التسخينات بإعلان توزيع التزكيات الانتخابية لاستحقاقات 23 شتنبر القادم، في ما يشبه حملة جبر الخواطر والترضيات السياسية لكل منتخب محظوظ، ضامن لموعد انتخابي باسمه وشخصيته وحضوره ومكانته، بأي لون سياسي كان.

هذا “السوبر ناخب” لا يقبل تزكية الحزب الذي كان ينتمي إليه إلا بشروطه، ومنها من يشترط تزكية ابنه أو ابنته أو أحد أفراد عائلته، وإلا انسحب من حزبه. بذلك تحوّل الانتقال من حزب لآخر، أي “الترحال السياسي”، إلى “الميركاتو السياسي” الذي شُبّه بسوق انتقالات اللاعبين، وهو ما يختزل أزمة عميقة في المشهد الحزبي المغربي.

صحيح أن التشبيه يقرب الصورة إلى ذهن المواطن، لكنه يغفل الفرق الجوهري بين المنتخب واللاعب. فاللاعب في كرة القدم ينتقل بين الفرق وفق عقود واضحة وقوانين صارمة، انتقاله مشروع ويُعتبر جزءاً من سوق منظّم تحكمه قواعد مالية واحترافية، ويظل ولاؤه مرتبطاً بالفريق الذي يوقّع معه. أما المنتخب، فانتقاله بين الأحزاب غالباً ما يتم بدافع البحث عن تزكية انتخابية أو موقع مضمون، بعيداً عن الالتزام ببرنامج أو مرجعية فكرية، وهو ما يضعف قيمة الانتماء الحزبي ويحوله إلى بطاقة عبور ظرفية.

“الميركاتو السياسي” في المغرب لا يقتصر على انتقال المنتخبين بين الأحزاب، بل يتجاوز ذلك إلى قضية أكثر حساسية، وهي تزكية الأحزاب لأبناء قادة سياسيين أو لمنتخبين وافدين حديثاً على حساب المناضلين الحقيقيين. هذه الممارسة تطرح أسئلة حارقة: من يستحق التزكية فعلاً؟ هل هي مكافأة للولاء والنضال الطويل داخل الحزب، أم صفقة انتخابية تضمن الفوز بالمقعد؟ ولماذا تُقصى الكفاءات والمناضلون لصالح أصحاب النفوذ أو أبناء القيادات؟

الأحزاب تتحمل المسؤولية الأولى، لأنها تضع الحسابات الانتخابية فوق المبادئ التنظيمية، وتُقصي مناضليها لصالح من يملكون المال أو العلاقات. القوانين بدورها تتحمل جزءاً من المسؤولية لأنها تسمح بالترحال قبل الترشيح الرسمي، مما يفتح الباب أمام هذه الصفقات. أما الناخبون، فهم أيضاً جزء من المعادلة، إذ يكرسون هذه الممارسات بتصويتهم للأشخاص بناءً على النفوذ أو القرابة لا على أساس البرامج أو الالتزام الحزبي.

وإذا كان إدريس لشكر قد نبه -بلسان حال مايجري ويدور -أحزاب الأغلبية إلى خطورة استغلال النفوذ والسلطة في منح الرخص والتعيينات وتوزيع الدعم، فإن هذا التحذير يندرج في صميم النقاش حول “الميركاتو السياسي”. فالممارسات التي أشار إليها تُظهر أن الأزمة لا تتعلق فقط بانتقال المنتخبين بين الأحزاب أو بتزكية الأبناء والبنات، بل تمتد إلى استغلال الإمكانيات العمومية في الحملات الانتخابية، وهو ما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص.

وإدا كان المكسب الحقيقي يكمن في توسيع القواعد الحزبية واستقطاب مناضلين جدد، وإقناع المواطنين بالمشروع السياسي بما يعزز الثقة في العمل الحزبي، فإن ظاهرة تزكية الأحزاب السياسية لأبناء القادة تكشف عن خلل عميق في آليات الديمقراطية الداخلية، فبدلاً من أن تكون التزكية مكافأة للمناضلين الذين أفنوا سنوات في خدمة الحزب، تتحول إلى امتياز عائلي يُمنح بالوراثة السياسية، وكأن المقعد النيابي أو الجماعي إرث يُوزّع داخل العائلة… هذا السلوك يطرح أسئلة حارقة: من يستحق التزكية؟ هل هو المناضل الذي ضحى بوقته وجهده، أم ابن المنتخب الذي يملك الاسم والرمزية؟ وهل التزكية حق تنظيمي أم صفقة انتخابية؟ وما أثر هذه الممارسات على ثقة المواطن في الأحزاب والمؤسسات؟

هذه الممارسات تُضعف قيم النزاهة والعدالة وتحوّل السياسة إلى مجال للترضيات العائلية. حالات تزكية أبناء قيادات حزبية معروفة تؤكد أن الوراثة السياسية أصبحت قاعدة غير معلنة. في المقابل، دول أخرى وضعت قيوداً صارمة على الترحال والتزكيات العائلية، مما ساعد على تعزيز الثقة في المؤسسات. هذا الفرق يجعل “الميركاتو السياسي” أكثر خطورة من “الميركاتو الكروي”، لأنه يهدد الثقة في المؤسسات المنتخبة ويزيد من عزوف المواطنين عن المشاركة. فالمنتخب يُفترض أن يرتبط بقناعة سياسية ومسؤولية أخلاقية تجاه الناخبين، وعندما يغيب هذا الالتزام يتحول المشهد إلى سوق مفتوح، حيث تتبدّل الانتماءات وفقاً للمصلحة لا وفقاً للقناعة.

نعتقد جازمين أن “الميركاتو السياسي” ليس مجرد استعارة بلاغية، بل أزمة بنيوية تضرب في عمق الحياة الحزبية وفي تعزيز الديمقراطية المحلية بالتمثيلية الحقيقية للأقاليم والجهات في قبة البرلمان. وتبقى مواجهة هذه الظاهرة رهينة بإرادة حقيقية من الأحزاب والمؤسسات، وتتطلب إصلاحاً قانونياً صارماً يحد من الترحال، وتعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وإعادة الاعتبار للمناضلين الحقيقيين، مع ضمان نزاهة العملية الانتخابية وقطع الطريق أمام استغلال النفوذ والسلطة، حتى لا يبقى المشهد مجرد سوق انتقالات موسمي أو وراثة حزبية، بل فضاءً للتنافس على الأفكار والمشاريع التي تخدم المواطن وتعيد الثقة في المؤسسات.

نأمل ذلك صادقين.