السودان أمام اختبار الهدنة الأمريكية…خلافات حول الانسحاب تعرقل طريق السلام

السودان أمام اختبار الهدنة الأمريكية…خلافات حول الانسحاب تعرقل طريق السلام

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

المجهر24/ صالح داهي|

دخلت الأزمة السودانية منعطفاً جديداً مع طرح الولايات المتحدة مبادرة تقضي بإعلان هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، في محاولة لوقف الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية تقود إلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية وإنهاء النزاع الذي خلّف واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ورغم الحديث عن تفاعل أولي من طرفي النزاع مع المبادرة، فإن المؤشرات تؤكد أن الاتفاق لا يزال بعيد المنال، في ظل استمرار الخلافات بشأن القضايا الأمنية، وعلى رأسها انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها، وهي النقطة التي يعتبرها الجيش السوداني شرطاً أساسياً قبل أي وقف لإطلاق النار.
وتقترح المبادرة الأمريكية وقفاً فورياً للأعمال القتالية لمدة ثلاثة أشهر، مع فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول المساعدات للمدنيين، وإنشاء آلية دولية لمراقبة تنفيذ الهدنة بإشراف الأمم المتحدة، تمهيداً للدخول في مفاوضات حول وقف دائم لإطلاق النار وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية.
كما تتضمن المبادرة برنامجاً لنزع السلاح وتجميع القوات خارج المدن، وإعادة دمج المؤهلين ضمن جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية، إضافة إلى وقف تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب، وإطلاق مسار سياسي يقود إلى انتخابات وحكومة مدنية، إلى جانب إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار السودان.
في المقابل، شدد الجيش السوداني في رده على ضرورة تنفيذ انسحاب كامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن والأحياء السكنية والمنشآت الحكومية، مع تجميع قواتها في معسكرات خارج التجمعات السكانية وفق جدول زمني واضح، معتبراً أن أي انسحاب جزئي سيكرس واقعاً عسكرياً جديداً يمنح الدعم السريع شرعية ميدانية.
أما الصيغة الأمريكية فتتبنى مقاربة تدريجية تقوم على إعادة انتشار محدودة في المرحلة الأولى لتخفيف معاناة المدنيين، على أن تتم مناقشة الانسحاب الشامل ضمن مفاوضات وقف إطلاق النار الدائم، وهو ما يمثل جوهر الخلاف بين الطرفين.
وأعلنت قوات الدعم السريع ترحيبها بالمبادرة وقدمت رداً مكتوباً للوسطاء، غير أن استمرار العمليات العسكرية، خاصة في إقليمي كردفان ودارفور، يثير شكوكاً حول إمكانية ترجمة هذا الترحيب إلى خطوات عملية على الأرض.
وزادت التطورات القضائية من تعقيد المشهد، بعدما أصدرت محكمة سودانية أحكاماً بالإعدام بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” وعدد من أبرز قادته، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما رفضته قوات الدعم السريع واعتبرته قراراً ذا دوافع سياسية.
وفي السياق ذاته، نفى المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس صحة التقارير التي تحدثت عن اتفاق شبه كامل بين الطرفين، مؤكداً أن عدداً من القضايا الجوهرية لا يزال محل خلاف، وأن بعض البنود قوبلت بالرفض، بما في ذلك ملفات تتعلق بالترتيبات الأمنية والانتقال السياسي وآليات تنفيذ الهدنة.
ويرى مراقبون أن المبادرة الأمريكية تمثل فرصة حقيقية لوقف نزيف الدم، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب انعدام الثقة بين طرفي الصراع، وتباين رؤيتهما لمراحل تنفيذ الاتفاق، إضافة إلى تشابك الحسابات العسكرية والسياسية.
وبين الضغوط الدولية لإنهاء الحرب، وتمسك الجيش بشروطه الأمنية، واستمرار الدعم السريع في تعزيز حضوره الميداني، يبقى نجاح المبادرة رهيناً بقدرة الوسطاء على تقريب وجهات النظر، في وقت يواصل فيه ملايين السودانيين دفع ثمن حرب طالت أكثر مما يحتمل الوطن والإنسان.