
نحو إصلاح الممكن إستجابة لانتظارات الشعب
بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي|
نعتقد جميعاً كمواطنين أن الإصلاح في المغرب ليس مجرد خيار تقني أو شعار سياسي، بل هو إرادة جماعية في معركة وجودية ترتبط مباشرة بالسيادة الوطنية وبمستقبل الدولة والمجتمع. فالرؤية الملكية القوية هي التي تمنح هذا الإصلاح شرعيته، وتجعله ممكناً وقابلاً للتنفيذ، لأنها تربط بين القيادة العليا وتطلعات الشعب، وتضع الإدارة في قلب مشروع التنمية والدفاع عن الوطن.
لقد أثبتت التجربة أن الفجوة بين الخطط المعلنة والنتائج الملموسة هي أكبر تهديد لثقة المواطن؛ لذلك فإن الإصلاح الممكن هو الذي يُغلق هذه الفجوة عبر آليات تنفيذ دقيقة، ومؤشرات شفافة للمحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج لا بالشعارات. ومن هنا يصبح تجديد النخب الإدارية ضرورة لا غنى عنها، ليس بتغيير الأسماء فقط، بل ببناء ثقافة جديدة في التدبير قائمة على الكفاءة والجرأة.
الجهات الجنوبية تمثل الاختبار الأوضح لجدية الإصلاح، فهي مناطق ذات رمزية وطنية وموقع استراتيجي، وأي ضعف في الأداء هناك يكشف أن الإصلاح الإداري قضية وطنية شاملة وليست محلية. وعليه، فإن الإدارة الترابية مطالبة بأن تكون واجهة الدولة القوية أمام المواطن، وإلا ستظل السياسات العمومية حبراً على ورق.
الاستحقاقات البرلمانية المقبلة تضيف بعداً آخر لهذه المعركة؛ فالحياد الإداري ليس مجرد مطلب، بل شرط أساسي لإنجاح الانتخابات وضمان نزاهتها. أي انحياز أو خلل سيقوض مصداقية المؤسسات ويعمق أزمة الثقة. لذلك فإن الإصلاح الإداري هو الضامن الحقيقي لانتقال سياسي سليم، وتجديد الدماء السياسية والإدارية معاً.
وفي هذا السياق، يبرز القرار الأممي رقم 2797 كعامل مضاعف لمسؤولية المغرب في الدفاع عن وحدته الترابية، ويؤكد أن الإصلاح الإداري لا ينفصل عن القضايا الوطنية الكبرى. فالإدارة، برؤية ملكية قوية، يجب أن تكون سنداً أساسياً في معركة السيادة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وتحصين المجتمع ضد الهشاشة.
لكن الإصلاح لا يقتصر على الإدارة وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. فالمغاربة ينتظرون إصلاحاً ينعكس على حياتهم اليومية: تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ضمان عدالة مجالية بين الجهات، محاربة الغش وغلاء الأسعار، وتوفير فرص عمل للشباب. الإصلاح الممكن هو الذي يربط بين الإدارة الفعالة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل من المواطن محور السياسات العمومية.
الشباب، باعتبارهم قوة ديموغرافية، يمثلون رهاناً أساسياً في هذه الرؤية. وقد أظهرت احتجاجات جيل Z أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية لم تعد قابلة للتأجيل، وأن إشراك الشباب في صياغة السياسات وتنفيذها ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان استدامة الإصلاح. فجيل جديد من المسؤولين والفاعلين المدنيين قادر على تجديد الدماء وضخ أفكار مبتكرة في الإدارة والسياسة والاقتصاد، وهو ما يعزز دينامية الإصلاح الممكن.
ولذلك، لا يمكن الحديث عن هذا الإصلاح دون إدراك أهمية الجالية المغربية بالخارج، التي تمثل ذخيرة مجتمعية حقيقية. فهذه الفئة، بما تملكه من خبرات علمية ومهنية، وما توفره من تحويلات مالية واستثمارات، تشكل رافعة أساسية للتنمية الوطنية. وحضورها في النقاش العمومي وفي السياسات العمومية ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان شمولية الإصلاح وربطه بالبعد الدولي.
إن إشراك الكفاءات المغربية بالخارج في صياغة وتنفيذ الإصلاحات يعزز جسور الثقة، ويمنح المغرب قوة إضافية في مواجهة التحديات، كما يرسخ صورة المملكة كدولة منفتحة على أبنائها أينما كانوا. أما الإعلام الوطني، فهو شريك لا غنى عنه في هذا الإصلاح أيضاً؛ دوره يتجاوز التنوير إلى الرقابة والتحفيز والدفاع عن السيادة. وقد أثبتت الصحافة المغربية قدرتها على كشف الاختلالات، مواجهة الحملات الدعائية المغرضة، وإبراز قصص النجاح التي تعزز الثقة وتحفز المشاركة المجتمعية. الإعلام هنا ليس مجرد ناقل للخبر، بل فاعل في صناعة الإصلاح، لأنه يفتح النقاش العمومي ويغذي القرار السياسي بأفكار عملية، ويمنح الرؤية الملكية قوة إضافية عبر التواصل مع المجتمع. غير أن الإعلام الوطني يحتاج أيضاً أن يجد نفسه في تنظيمه الذاتي، بعيداً عن أي توجيه، انسجاماً مع الشرعية الدستورية التي تضمن له الاستقلالية والحرية، ليكون بالفعل سلطة رابعة غير متحكم فيها، قادرة على أداء رسالتها كاملة.
الثقافة أيضاً جزء من الإصلاح الممكن؛ فبناء وعي جماعي حول قيم المواطنة والمسؤولية والشفافية هو ما يضمن نجاح أي إصلاح إداري أو سياسي. الرؤية الملكية القوية تجعل من الثقافة والإعلام أدوات موازية للإدارة في معركة الإصلاح، لأنها تخلق بيئة مجتمعية داعمة للتغيير، وتؤسس لوعي جماعي يرفض الفساد ويطالب بالكفاءة والعدالة.
إن الرؤية الملكية للإصلاح الممكن ليست مجرد عنوان، بل هي مشروع وطني شامل. نجاحها يعني فتح صفحة جديدة من الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ موقع المغرب كقوة إقليمية ودولية وازنة. الإصلاح هنا ليس خياراً، بل ضرورة وطنية، ومعركة سيادة، واستجابة مباشرة لانتظارات الشعب. وما نأمله جميعاً هو أن تتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس، يلمسه المواطن في حياته اليومية، ويعيد الثقة في المؤسسات التي يحاربها الأعداء ليل نهار، ويؤكد أن المغرب قادر على مواجهة التحديات بروح جديدة وإرادة جماعية صادقة.


