لا تسألوه لمن سيصوِّت …إسؤلوه كيف يعيش ؟

لا تسألوه لمن سيصوِّت …إسؤلوه كيف يعيش ؟

لا تسألوه لمن سيصوِّت …إسؤلوه كيف يعيش ؟

حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة
 عبد اللطيف بيه |

مع إقتراب الإنتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وهي الثانية عشرة منذ الإستقلال، يدخل المغاربة الأيام الأخيرة من حملة إنتخابية يتنافس فيها 27 حزبًا على 395 مقعدًا بمجلس النواب، ويستعد نحو 15.8 مليون ناخب مسجل للتوجه إلى الصناديق ، غير أن علاقة المواطن بالسياسة لا تُختزل في الإقتراع ونتائجه ، فخلف الأرقام حياة يومية كاملة، يقيس فيها المواطن أداء المؤسسات بما يلمسه فعليًا من تعليم وصحة وعدالة إدارية وقدرة شرائية وكرامة في الفضاء العام.

بعيدًا عن شاشات التلفزيون التي تنشغل غالبًا بموازين القوى، وحسابات الأحزاب، وتوقعات النتائج، تطرح السوسيولوجيا سؤالًا آخر أكثر إلتصاقًا بتجربة المواطن:
ماذا تغيّر في حياته؟
فالمواطن لا يعيش الإنتخابات داخل إستطلاع للرأي، ولا داخل جداول توزيع المقاعد، وإنما يعيشها في تفاصيل يومية تبدأ من المدرسة التي يرسل إليها أبناءه، ومن المستشفى الذي يلجأ إليه طلبًا للعلاج، ومن الإدارة التي ينتظر منها الإنصاف، ومن الأسعار التي تحدد قدرته على تدبير حياته، ومن النقل والطرق والخدمات والفضاءات العمومية التي يفترض أن يشعر داخلها بأنه مواطن كامل الحقوق والكرامة.

ومن هذه الزاوية، يستعيد مفهوم «عالم الحياة» عند الفيلسوف وعالم الإجتماع الألماني “يورغن هابرماس” دلالته ، فهذا العالم هو المجال الذي تتجسد فيه القرارات والمؤسسات والسياسات في التجربة اليومية للناس .

فالقيمة الإجتماعية للسياسة لا تظهر فقط في الخطاب السياسي أو في لحظة الإقتراع، وإنما في الأثر الذي يتركه القرار العمومي على حياة الإنسان.
وبذلك، فإن المدرسة ليست مجرد قطاع عمومي، والمستشفى ليس مجرد مرفق صحي، والإدارة ليست مجرد جهاز بيروقراطي، والأسعار ليست مجرد مؤشرات إقتصادية ، إنها جميعًا، من منظور المواطن، وجوه ملموسة للسياسة والدولة.

وهذا ما تكشفه أعمال “مايكل ليبسكي” حول «البيروقراطية على مستوى الشارع»
فالدولة لا تتجلى للمواطن في النصوص والقرارات المركزية، بل في لقائه بالموظف عند الشباك، وبالمعلم داخل القسم، وبالطبيب في المستشفى. وفي السياق نفسه، بيّن “جو سوس” أن طريقة تعامل الإدارة مع الناس تعلّمهم موقعهم من الدولة، وتؤثر في إستعدادهم للمشاركة السياسية.

وتسير أبحاث “بو روثشتاين” و “دييتلند ستول” في الإتجاه ذاته: فالثقة في المؤسسات لا تصنعها الخطابات، وإنما تنشأ من مدى شعور الناس بعدالة المؤسسات التي يصادفونها في حياتهم اليومية وحيادها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات التي لا تتصدر دائمًا التغطية الإعلامية: بينما ينشغل النقاش العمومي بمن يتقدم إنتخابيًا ومن يتراجع، وبمن يمتلك القدرة على إستقطاب الأصوات، ينشغل المواطن بأسئلة أكثر بساطة وعمقًا في آن واحد: هل يتلقى أبنائي تعليمًا جيدًا؟ هل أجد العلاج عندما أحتاج إليه؟ هل تعاملني الإدارة بإنصاف؟ هل يكفيني دخلي لمواجهة إرتفاع الأسعار؟ وهل أستطيع أن أعيش في فضاء عمومي يحفظ كرامتي؟

هذه الأسئلة لا تظهر دائمًا في عناوين النشرات، لكنها تشكل جزءًا أساسيًا من المزاج الإجتماعي الذي تتكون داخله المواقف والإختيارات.
وفي الحالة المغربية، ستُقرأ هذه الإنتخابات في ضوء ولاية حكومية قادتها أغلبية ضمّت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والإستقلال، بينما كانت أحزاب مثل الإتحاد الإشتراكي والحركة الشعبية والتقدم والإشتراكية والعدالة والتنمية في المعارضة ، غير أن المواطن لا يقرأ هذه الولاية من خلال مواقع الأحزاب في الأغلبية أو المعارضة، بل من خلال ما تغيّر أو لم يتغير في مدرسة أبنائه ومستشفى حيّه وشباك إدارته وأسعار سوقه.

ومن منظور سوسيولوجي، لا ينبغي النظر إلى المواطن بإعتباره مجرد رقم في كتلة إنتخابية، لأن وراء كل صوت تجربة إجتماعية ومصالح وإنتظارات وتمثلات تتشكل على إمتداد الحياة اليومية.

فالإختيار الإنتخابي لا يحدث في فراغ، وإنما يتأثر بما يراكمه الفرد من تجارب مع المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل والأسعار والخدمات العمومية ومحيطه الإجتماعي.
وقد ذهبت أدبيات سلوك الناخبين، منذ أعمال “مورس فيورينا” حول «التصويت الإسترجاعي»، إلى أن الناخب يحاسب على الأداء الملموس أكثر مما ينشغل بالوعود. غير أن هذه القراءة لا تخلو من حدود ، فقد أظهر “كريستوفر أكين” و “لاري بارتلز” أن حكم الناخب على الأداء يتأثر أيضًا بالأحداث القريبة والإنتماءات الجماعية.
ومن ثم لا يمكن إعتبار التجربة اليومية سببًا آليًا للتصويت، بل هي مادة تُؤوَّل داخل شبكة من المعاني والإنتماءات.

وهنا يمكن إستحضار عالم الإجتماع الألماني “ماكس فيبر”، الذي نظر إلى الفعل الإجتماعي بإعتباره فعلًا يحمل معنى بالنسبة إلى صاحبه. وبذلك، فإن سلوك المواطن في الإستحقاقات الإنتخابية المقبلة لا ينبغي قراءته فقط من خلال عدد الأصوات التي يحصل عليها هذا الطرف أو ذاك، وإنما أيضًا من خلال المعاني والدوافع والتجارب التي تقف خلف ذلك السلوك.
فالصوت الإنتخابي، في النهاية، ليس مجرد رقم يُضاف إلى مجموع الأصوات ، إنه تعبير عن مواطن يحمل معه ذاكرة من التجارب، وإنتظارات من المستقبل، وتقييمًا لما يراه في واقعه اليومي.

ومن هنا، فإن الإقتراب من الإستحقاقات المقبلة من زاوية سوسيولوجية يقتضي توسيع مجال النظر من «من سيفوز؟» إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: «كيف يعيش المواطن نتائج السياسة قبل أن يصل إلى صندوق الإقتراع وبعد أن يغادره؟»
فالإقتراع ليس سوى محطة في مسار أطول؛ إذ يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر، ثم تبدأ مشاورات لتشكيل ائتلاف يضمن 198 مقعدًا على الأقل، أي الأغلبية المطلقة. وهكذا تتحول أصوات الناخبين إلى تفاوضات وتوازنات، قبل أن تعود من جديد إلى المواطن في صورة سياسات ملموسة في تعليمه وصحته وإدارته وأسعاره.
ذلك أن المواطن لا يبدأ كمواطن إنتخابي يوم الإقتراع، ولا ينتهي دوره بإغلاق الصناديق. إنه مواطن في المدرسة، والمستشفى، والإدارة، والشارع، ومكان العمل، والسوق والفضاء العمومي.
وفي هذه التفاصيل التي لا تحظى دائمًا بالمساحة نفسها التي تحظى بها الحملات والخطابات، تتشكل علاقة الإنسان بالدولة والمؤسسات، وتتحدد درجة شعوره بالإنصاف والثقة والكرامة.

ولا يعبّر المواطن عن خيبته بالتصويت وحده. فقد ميّز “ألبرت هيرشمان” بين الإحتجاج والإنسحاب والولاء حين تخيّب المؤسسات الانتظار، وهو ما يجعل العزوف نفسه موقفًا له معنى، لا مجرد غياب.

ففي 23 شتنبر سيدلي المغاربة بأصواتهم، غير أن المواطن ليس رقمًا إنتخابيًا. قبل أن يكون ناخبًا، هو إنسان يعيش أثر السياسة كل يوم. وربما يكون فهم هذا الأثر، أكثر من متابعة حركة الأرقام وحدها، مفتاحًا لفهم المعنى الاجتماعي للسلوك الانتخابي المقبل.