
زاوية أيتوسى بمدينة طانطان .. تُحيي ذكرى المولد النبوي ذاكرة حية تتحدى تحولات الزمن
زاوية أيتوسى بمدينة طانطان .. تُحيي ذكرى المولد النبوي ذاكرة حية تتحدى تحولات الزمن
المجهر 24/ عبداللطيف بيه-متابعة|
في مشهد يجمع بين الروحانية وعمق الموروث، أحيت قبائل أيتوسى بإقليم طانطان، زوال يوم الإثنين، ذكرى المولد النبوي الشريف بزاوية أيتوسى، في مناسبة تؤكد إستمرار ممارسة دينية وثقافية متجذرة في الذاكرة الجماعية، ظلت حاضرة رغم التحولات المتسارعة التي تعرفها منظومة القيم بفعل العولمة والعصرنة والحداثة.
ولا يبدو الإحتفال بالمولد النبوي بزاوية أيتوسى مجرد طقس ديني متوارث، بل ممارسة جماعية تتقاطع فيها أبعاد دينية وثقافية وإجتماعية وتاريخية، وتتحول معها الزاوية إلى فضاء لإعادة وصل الأجيال بموروثها، وتجديد صلة الرحم، وتقوية أواصر التآخي والتواصل بين أبناء القبيلة.
وتستمد المناسبة جانباً مهماً من دلالتها من المكانة التاريخية التي إحتلتها الزوايا في المجتمع الصحراوي، بإعتبارها فضاءات للعبادة والتعلم وحفظ العلوم الدينية، ومجالات للتكافل والتواصل، وحواضن للموروث الثقافي والإجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن إستمرار إحياء المولد داخل زاوية أيتوسى بمدينة طانطان يشكل أحد مظاهر صيانة الذاكرة الدينية والثقافية، ونقل عناصرها وممارساتها من جيل إلى آخر.
وإستحضرت فقرات الحفل السيرة النبوية الشريفة والقيم التي أرستها الرسالة المحمدية، وفي مقدمتها المحبة والتسامح والتآخي والتكافل وحسن المعاملة، بما منح المناسبة بعداً تربوياً وأخلاقياً يتجاوز الإحتفاء بذكرى دينية إلى إستلهام قيم إنسانية تظل حاضرة في الحياة الإجتماعية.
وإستهلت فعاليات الحفل بكلمة ترحيبية لرئيس جمعية زاوية أيتوسى بطانطان، مزين أحمد، أبرز خلالها أهمية تخليد ذكرى المولد النبوي والدور الذي تضطلع به الزاوية في صيانة الموروث الديني والثقافي للقبيلة، والحفاظ على تقليد دأبت أيتوسى على إحيائه تزامناً مع هذه المناسبة.
وعقب ذلك، تابع الحاضرون درساً دينياً ألقاه أحد أعضاء المجلس العلمي، تناول فيه جوانب من السيرة النبوية العطرة، وما تختزنه ذكرى المولد من معانٍ دينية وإنسانية، داعياً إلى الاقتداء بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم وترسيخ قيم المحبة والتسامح والتآخي.
وبعيداً عن بعدها التعبدي، شكلت رحاب الزاوية فضاءً للقاء وإستقبال الضيوف وتجديد العلاقات بين الأسر وأبناء القبيلة، من خلال تبادل الزيارات وإعادة وصل أواصر الرحم، في ممارسة تعكس الدور الذي تؤديه مثل هذه المناسبات في تعزيز النسيج الإجتماعي للقبائل الصحراوية.
كما حضرت الأبعاد الثقافية للمناسبة من خلال إستمرار طقوس الإحتفال ومظاهر تنظيمه، وتناقل الأدوار بين أبناء القبيلة، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف على عناصر من موروثها والمشاركة في إعادة إنتاجه داخل سياق إجتماعي متغير.
ويكتسب هذا الإستمرار أهمية خاصة في ظل التحولات التي طالت أنماط الحياة والقيم والممارسات التقليدية؛ إذ تكشف تجربة زاوية أيتوسى أن الحداثة لا تعني بالضرورة القطيعة مع الموروث، وأن الممارسة التقليدية قادرة على الحفاظ على حضورها حين تجد في الذاكرة الجماعية سنداً لها، وفي إنتقالها بين الأجيال ضمانة لإستمرارها وتجددها.
وتستعيد المناسبة، في الوقت نفسه، بعدها التاريخي من خلال إرتباطها بالزاوية بإعتبارها مؤسسة دينية وإجتماعية إضطلعت بأدوار في حفظ المعرفة الدينية وتأطير المجتمع وصيانة التقاليد والروابط الجماعية، وهو ما يجعل إحياء المولد داخل هذا الفضاء إستعادةً لذكرى دينية، وتجديداً في الآن ذاته لتقليد ثقافي وإجتماعي ظل متوارثاً في الذاكرة الجماعية.
وتميز الحفل كذلك بحسن التنظيم والتنشيط، حيث تولى ابن القبيلة زين الحسين تقديم فقراته بأسلوب مميز في الإلقاء إنسجم مع طبيعة المكان وقدسية المناسبة، ونال إستحسان الحاضرين.
وإختُتم النشاط الديني برفع برقية ولاء وإخلاص إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، قدمها شيهب سيدي، إطار بمندوبية الأوقاف والشؤون الإسلامية بطانطان.
وهكذا، تؤكد ذكرى المولد النبوي بزاوية أيتوسى أن بعض الممارسات المتجذرة في الوجدان الجماعي لا تذوب أمام تحولات العصر، بل تستطيع أن تتجدد داخل سياقات جديدة، محافظةً على جوهرها ودلالاتها. فهنا، تتحول الزاوية إلى فضاء تتقاطع فيه الروحانية مع الذاكرة، والدين مع الثقافة، والتقليد مع التواصل الإجتماعي، لتظل المناسبة جسراً حياً يصل الماضي بالحاضر، وينقل الموروث من جيل إلى جيل، ويمنح الذاكرة الجماعية لأبناء أيتوسى أسباب الإستمرار والتجدد.

