إعلان “نافارا” بين خطاب الانفصال وتقصير الدبلوماسية الموازية

إعلان “نافارا” بين خطاب الانفصال وتقصير الدبلوماسية الموازية

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي |

خرج علينا منذ أيام مجموعة من النواب الإسبان المنضوين في المجموعات البرلمانية الإقليمية بإعلان “نافارا”، في ختام مؤتمرها التاسع والعشرين للمجموعات البرلمانية الإسبانية المشتركة، المنعقد بمقر برلمان نافارا بمشاركة ممثلين عن عشرة برلمانات جهوية إسبانية. وهو بيان سياسي يكرر خطاب الانفصال ويدعو إلى تقرير المصير عبر استفتاء، ويعتبر جبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي ضداً عن الشرعية الدولية. هذا الإعلان لا يمثل بطبيعة الحال الموقف الرسمي للدولة الإسبانية ولا الاتحاد الأوروبي، لكنه يعكس نشاطًا مدنيًا وسياسيًا موازياً يمارس ضغطًا عبر المؤسسات المحلية ويستثمر في الفراغ الذي نتركه نحن المغاربة، أصحاب الحق والشرعية بشهادة العالم، في ساحة الدبلوماسية الموازية.
وإذا كان المغرب يواجه مثل هذه المبادرات عبر طرحه الواقعي: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو مقترح رسخه أيضًا القرار الأممي رقم 2797 الذي أكد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الطرفين، فإن هذا القرار يعكس أن المرجعية الدولية لم تعد تتحدث عن الاستفتاء كخيار عملي، بل عن حل سياسي يضمن الاستقرار ويخدم مصالح المنطقة.
نفهم ونعِي جيدًا أهداف ونوايا هؤلاء النواب الإسبان، كما ندرك أن منهجية البوليساريو في الإقناع تقوم على استثمار الإرث الاستعماري، وتوظيف تقارير المجتمع المدني الأوروبية، وتقسيم الثروات بشكل دعائي، وهو ما أثر بشكل كبير في نفسية هؤلاء البرلمانيين الذين انطلت عليهم الحيل وصدقوا هذه السردية الكاذبة، وتمادوا في الترويج لها في كل مكان. كما أن تسويق البوليساريو وتشجيعها لخطاب الكراهية والانفصال عن المغرب ومحاولة خلق الفتنة عبر الإغراءات والتمويلات الأجنبية، عبر جمعيات ظاهرها إحساني لكن باطنها يسعى إلى المساس بـ”الأمن الاجتماعي” في الأقاليم الجنوبية، ساهم في تغذية الكراهية ضد المغرب وضد حقه المشروع في ضمان أمنه وأمن مواطنيه ومجتمعه باسم حقوق الإنسان.
وبهذا استطاع هؤلاء النواب الإسبان جلب تعاطف هيئات ومنظمات أجنبية بناءً على هذه السرديات الباطلة، وانتقلوا بالمعركة من أروقة الأمم المتحدة إلى ساحة الرأي العام الدولي، حيث يتحركون بحرية، بينما يغيب صوتنا نحن الصحراويين الوحدويين المغاربة والمنتخبون المحليون الذين يدبرون الشأن العام في الأقاليم الجنوبية بكل مسؤولية. وإذا كان المنتظم الدولي يعي جيدًا أن هؤلاء المنتخبين هم الممثلون الشرعيون للسكان في الأقاليم الجنوبية للمملكة، فإنه من واجبهم أن يبادروا ويحضروا ويترافعوا في المحافل الدولية ليقولوا للمجتمع الدولي بكل وضوح إنهم منتخبون ديمقراطيًا ويديرون شؤونهم بأنفسهم في الجهات والجماعات الترابية، وفي مختلف المسؤوليات داخل الأقاليم الصحراوية، وباقي المؤسسات الوطنية بما فيها البرلمان المغربي بغرفتيه.
قراءة إعلان مثل هذا الذي صدر تحسس أي مغربي غيور على وطنه ووحدته الترابية أن الغياب هنا مؤلم، لأنه يترك الساحة فارغة أمام خطاب أحادي الجانب تستغله البوليساريو بدعم جزائري سخي. مسؤوليتنا كمجتمع مدني بجهات الصحراء الثلاث، وكصحافة وإعلام وطني ومحلي، أن نملأ هذا الفراغ، وأن ننتج محتوى قوي بلغات متعددة يشرح للعالم أن هناك منتخبين صحراويين يديرون شؤونهم، وأن مشروع الحكم الذاتي هو الحل الواقعي والإنساني. كما يتعين علينا أيضًا أن نكشف زيف ادعاءات البوليساريو من خلال إبراز معاناة إخواننا المحتجزين في مخيمات تندوف، حيث يعيش آلاف الصحراويين في ظروف غير إنسانية منذ عقود، محرومين من حرية التنقل والعيش الكريم، رهائن لمشروع فقد شرعيته. هؤلاء لا يعيشون تقرير المصير بل يعيشون الحرمان من المصير، بينما في الأقاليم الجنوبية هناك مشاريع تنموية ملموسة يستفيد منها السكان يوميًا.
خلاصة القول، أن الدبلوماسية الموازية مقصّرة وليست غائبة، والتقصير يكمن في أننا نكتفي بخطاب داخلي موجه للجمهور المحلي، ولا نوجه رسائل قوية للرأي العام الخارجي قصد تغيير مواقفه المبنية على الأكاذيب وليس الحقائق. نعم نحن مقصرون، نقولها بكل صراحة، لا نواكب الحملات الدعائية التي تنشط في أوروبا. المطلوب هو أن يتحرك المنتخبون الصحراويون بالحضور والترافع، وأن تتحرك الصحافة والإعلام لتوثيق هذا الواقع، وأن ننتج محتوى يفضح تناقضات خطاب الانفصال ويبرز التنمية في الصحراء المغربية. هذه ليست مجرد معركة دبلوماسية، إنها معركة وعي ومسؤوليتنا أن نخوضها بلا تردد، لأن الدفاع عن مشروع الحكم الذاتي هو دفاع عن مستقبلنا وكرامتنا وعن حقنا في أن نعيش داخل وطن موحد يضمن لنا الكرامة والحرية والعدالة والتنمية الشاملة والأمن والأمان، وهذا واجب لا يحتمل التأجيل.