عملية “الظل الأسود”… صدمة الكوكايين وانتصار السيادة الأمنية الوطنية

عملية “الظل الأسود”… صدمة الكوكايين وانتصار السيادة الأمنية الوطنية

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش|

صُدم المغاربة ومعهم الرأي العام الأوروبي من هول الكمية المحجوزة خلال عملية “الظل الأسود” الأسبوع الماضي، إذ بلغت 57 ألف كيلوغرام من الكوكايين! نعم، هي كمية غير مسبوقة تكفي لتهديد استقرار اقتصادات عالمية بأكملها.
أُعلن عن العملية رسميًا من طرف مندوب الحكومة الإسبانية في الأندلس بيدرو فرنانديز، باعتبار أن التنفيذ جرى على الأراضي الإسبانية، فيما اكتفت المديرية العامة للأمن الوطني المغربي بدور الشريك الأمني الفعّال، احترامًا لبروتوكولات التعاون الدولي التي تُسند الإعلان للسلطات المضيفة. هذا الإعلان من طرف إسبانيا لم يُقلل من دور الأمن المغربي، بل على العكس أبرز أن الشركاء الدوليين هم من يشهدون بفعالية أجهزته الأمنية، مما منح الإنجاز مصداقية أكبر وأظهر أن المغرب حاضر بقوة في المعادلة الأمنية العالمية.
لم يكن هذا الرقم الصادم مجرد معطى إحصائي، بل صرخة مدوية أيقظت العالم على حجم الخطر الذي كان يتربص بالمغرب وإسبانيا معًا، وجعل الجميع يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد عملية أمنية إلى معركة سيادة وحماية شاملة. وحسب المعطيات المتوفرة إلى حد الآن، فإن الشبكة الموقوفة (100 شخص) كانت تستهدف بالأساس الموانئ المغربية والأوروبية باعتبارها فضاءات استراتيجية لعبور وتخزين الحاويات المحملة بالكوكايين، حيث اعتمدت على ميناء طنجة المتوسط في المغرب ومدينة سبتة المحتلة، وعلى غاليسيا وجزر الكناري في إسبانيا، لتسهيل إدخال الشحنات القادمة من أمريكا اللاتينية وإعادة توزيعها نحو الأسواق الأوروبية. هذا الاستهداف كان يهدد سمعة هذه الموانئ ويضعف ثقة المستثمرين، ويجعل المغرب وإسبانيا في قلب معركة اقتصادية وأمنية ضد الكارتلات العالمية. غير أن نجاح العملية أعاد الاعتبار لهذه المرافق الحيوية وأثبت قدرتها على الصمود أمام محاولات الاختراق.
ماذا لو لم يكن أمننا الوطني يقظًا؟ وماذا لو تسربت هذه الكمية الهائلة إلى الأسواق الأوروبية والمغربية، كيف كان سيكون مصير شبابنا وصحة مجتمعاتنا واقتصاداتنا؟ هذه الأسئلة الحارقة تكفي لتجعلنا ندرك قيمة اليقظة الأمنية، وتدفعنا إلى أن نفخر بنعمة الأمن والأمان والاستقرار التي نعيشها.
وإذا كان البعد الأمني هو الأبرز، فإن العملية تحمل أيضًا أبعادًا اقتصادية واجتماعية وصحية. فمن الناحية الاقتصادية، أعاد نجاح العملية الثقة في البنى التحتية الوطنية، بينما من الناحية الاجتماعية والصحية ساهم في حماية الشباب من الوقوع في براثن الإدمان، وخفف الضغط عن المنظومة الصحية، وقطع الطريق أمام استغلال الفئات الهشة في أنشطة غير مشروعة. وإلى جانب ذلك، فإن العملية تفتح الباب أمام ضرورة تحويل هذا الإنجاز الأمني إلى خطاب توعوي يرسخ في الوعي الجماعي خطورة المخدرات، ويستثمر الفن والإعلام في نشر رسائل قوية ضد الإدمان.
اليوم، وقبل أي وقت مضى، على أوروبا ودول العالم أن تفخر بشريك استراتيجي أمني مهم من حجم المغرب، الذي ظل يقظًا ليل نهار لحراسة أمنها القومي من الجريمة المنظمة. فبعد أن أثبت قدرته في مواجهة تحديات الهجرة السرية، ها هو اليوم يخبر العالم أنه تمكن من حماية أوروبا من خطر داهم كان يتهدد شبابها وصحتها واقتصادها ومجتمعاتها. إن هذا الإنجاز يضع المغرب في مصاف الدول التي لا تكتفي بحماية أمنها الداخلي، بل تساهم في حماية الأمن الجماعي العالمي، وهذا فخر لنا كمغاربة.
لذلك، فإن الاستنتاج الأهم هو أن عملية “الظل الأسود” جسدت معركة سيادة وحماية شاملة، وأن المغرب أثبت قدرته على مواجهة التحديات العابرة للحدود. ومن ثم فإن التوصيات الملحّة تتمثل في ضرورة الاستثمار أكثر في التعاون الأمني والاستخباراتي، وتعزيز برامج التوعية المجتمعية، وربط الإعلام والفن برسائل قوية ضد المخدرات، حتى يتحول هذا الإنجاز الأمني، ومعه إنجازات سابقة مماثلة، إلى مشروع وطني ودولي متكامل. ومن هنا تبقى السيادة الأمنية عنوانًا لهذا النجاح، والتنويه باسم المغاربة جميعًا واجب، لأنهم شركاء في هذا الانتصار الذي يحمي أسرهم واقتصادهم وصورتهم الدولية، ويكرس أن حماية المواطن ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تُترجم إلى إنجازات تتجدد باستمرار بحجم عملية “الظل الأسود”.