ملاعب “فيفا أرينا”…بين وقع المشروع وسرديات الخصوم والتنمية الوطنية

ملاعب “فيفا أرينا”…بين وقع المشروع وسرديات الخصوم والتنمية الوطنية

حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم : ذ. إبراهيم أبهوش |
أعتقد أن الإعلان عن توقيع اتفاقية بين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والاتحاد الدولي لبناء ثلاثين ملعبًا مصغرًا من نوع فيفا أرينا في المغرب، ليس مجرد خبر بروتوكولي عابر، بل حدث يحمل دلالات عميقة ويستحق قراءة تحليلية متأنية، لأن هذه الملاعب ليست مجرد فضاءات رياضية، وإنما أدوات للتنمية الاجتماعية ووسائل لتقريب الرياضة من المواطن وتوفير بدائل عملية للشباب بعيدًا عن الشوارع والفضاءات العامة غير المهيأة، وهو ما يجعلها جزءًا من مشروع وطني يتجاوز الرياضة ليصل إلى التربية والوقاية الصحية والاندماج الاجتماعي.
فالرقم المعلن، ثلاثون ملعبًا، يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى المشروع ووقعه على المجتمع، خاصة ونحن في سياق وطني حساس يجمع بين الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 وما يرافقها من مزايدات سياسية، وبين الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، حيث يصبح النقاش حول الأولويات أكثر حدة بين من يرى أن هذه الملاعب واجهة حضرية مرتبطة بالرهان الدولي، وبين من يعتبرها رافعة اجتماعية لحماية الناشئة من الهدر المدرسي والإدمان.
الكلفة المالية تبدو فلكية بلغة الأرقام الاقتصادية والتنموية، وهنا يبرز السؤال: هل المال العام المخصص من الشركاء الوطنيين أولى أن يوجَّه إلى قطاعات أكثر إلحاحًا مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والمراكز الثقافية، أم أن الاستثمار في الرياضة يعد بدوره استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان والشباب؟ هذا السؤال يزداد حدة في ظل المزايدات السياسية، حيث يسعى البعض إلى تحويل المشروع إلى مادة انتخابية، بينما يظل الرهان الحقيقي هو التنمية المستدامة والعدالة المجالية.
وفي مقابل هذه الرؤية، لا يمكن إغفال سردية الخصوم الذين يعتبرون أن بناء هذه الملاعب ترف يزاحم أولويات أكثر إلحاحًا، ويذهبون إلى القول إن الملاعب قد تتحول إلى واجهة حضرية مرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم، بينما يظل العالم القروي يعاني من غياب الطرق والمدارس الثانوية والمستوصفات الصحية والمراكز الثقافية. الأخطر أن هذه السردية يتم تضخيمها عبر الدباب الإلكتروني وتجييش مواقع التواصل الاجتماعي من طرف أعداء المغرب، الذين يصرفون الملايير للتقليل من وقع هذه المشاريع على مستقبل الناشئة والشباب، في محاولة لزرع الشك وضرب الثقة في السياسات الوطنية، وهنا يظهر دور الإعلام المغربي، الذي عليه أن يواجه هذه الحملات المغرضة بخطاب وطني رصين، يستند إلى المعطيات العلمية والحقائق الميدانية، ويغرس في الأجيال الجديدة قيم المواطنة والانتماء والوعي النقدي، حتى لا يقعوا ضحية التضليل.
الأرقام تكشف حجم الخسارة التي يتكبدها الوطن، إذ يخسر المغرب سنويًا حوالي 280 ألف تلميذ يغادرون المؤسسات التعليمية، من بينهم 160 ألف في التعليم الإعدادي وحده بنسبة انقطاع تصل إلى 18%. أما في الابتدائي، فرغم أن النسبة أقل، إلا أنها تتراوح بين 6 و7%، وهو ما يعني أن آلاف الأطفال يغادرون المدرسة قبل إتمام هذا السلك. وفي التعليم الثانوي، تصل نسبة الانقطاع إلى حوالي 10%، فيما تكشف الدراسات أن أكثر من 50% من الطلبة الجامعيين لا يتمون دراستهم أو يغادرون قبل الحصول على شهادة الإجازة. هذه الأرقام القاسية تؤكد أن الاستثمار في الرياضة ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية لحماية الأجيال المقبلة من الانهيار الاجتماعي والصحي، خاصة وأن الإدمان والهدر المدرسي يضاعفان الخسائر الإنسانية والاقتصادية.
غير أن المشروع الرياضي وحده لا يكفي، لأن نجاح هذه الملاعب مرتبط بإشراك باقي القطاعات الحكومية في رؤية شمولية تشمل الطرق لتسهيل الوصول، والمدارس الإعدادية والثانويات لتقريب التعليم من التلاميذ، والمستوصفات الصحية لضمان الرعاية، والمراكز الثقافية لتكامل الأدوار. فالتوجيهات الملكية لطالما شددت على العدالة المجالية، ولا يعقل أن تبعد مؤسسة مدرسية عشرات الكيلومترات عن مقر سكنى التلاميذ، بما يستنزف قدرات الأسر ويزيد من نسب الهدر المدرسي. قضايا العالم القروي يجب أن تكون ضمن الأولويات، لأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يشعر المواطن القروي أن له نصيبًا من المشاريع الوطنية. أما الدراسة ما بعد البكالوريا فهي شأن آخر، يتطلب رؤية خاصة مرتبطة بالجامعات والمعاهد العليا.
وبين سردية المؤيدين التي ترى في المشروع رافعة للتنمية الاجتماعية والوقاية الصحية، وسردية الخصوم التي تعتبره ترفًا يزاحم الأولويات، يظل التحدي الحقيقي هو تحقيق العدالة المجالية وضمان أن تكون هذه الملاعب جزءًا من شبكة متكاملة تشمل التعليم والصحة والطرق والثقافة. الربح الحقيقي يكمن في بناء مواطن قوي ومندمج، بينما الخسارة الكبرى ستظل قائمة إذا لم نواجه الهدر المدرسي والإدمان بقرارات شجاعة ومتكاملة. وعلينا كإعلام مغربي أن نتصدى لحملات التشويش والدباب الإلكتروني بخطاب مسؤول، يفضح التضليل الإعلامي، ويعزز الثقة في المشاريع الوطنية، خاصة ونحن في سياق وطني حساس يجمع بين الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 والمزايدات السياسية، وبين الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، حيث يصبح الرهان الأكبر هو حماية الشباب وبناء الثقة في المستقبل.
الخلاصة الواقعية إذن، هي  أن المعلومة الدقيقة تقول إن المغرب يخسر سنويًا ربع مليون تلميذ بسبب الهدر المدرسي، وأن أكثر من نصف الطلبة الجامعيين لا يتمون دراستهم. هذه الأرقام وحدها تكفي لتبرير أي استثمار في الرياضة والشباب، شرط أن يتم في إطار رؤية شمولية. فالملاعب ليست مجرد فضاءات للترفيه، بل أدوات للوقاية من الانحراف ولتعزيز الثقة في المستقبل، فالربح الحقيقي هو بناء مواطن قوي، متوازن، ومندمج في مجتمعه، بينما الخسارة الكبرى هي ترك الشباب فريسة للإدمان والهدر المدرسي وتاثير الدباب الإلكتروني الذي يسخره ضدا في تقدمنا ورقينا أعداء الوطن.