
كرامة المواطن ليست مادة للفرجة لا للتشهير، نعم للكرامة
بقلم: إبراهيم ابهوش- صحفي مغربي |
في واقعة أثارت ضجة واسعة بالمغرب، تحولت قضية المؤثرة والممثلة غيثة من مجرد خبر عابر إلى محاكمة علنية، لا في قاعة القضاء، بل على صفحات المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. عناوين صاخبة، صور مسرّبة، وأحكام مسبقة نُسجت دون سند قانوني، في مشهد يكشف بوضوح كيف يمكن للإعلام أن ينحرف عن رسالته النبيلة، ويصبح أداة للتشهير بدل أن يكون منبرًا للحقيقة.
نعم، قضية غيثة ليست قضية فردية، بل هي قضية كل المواطنين المغاربة، لأنها تمس جوهرًا مشتركًا وهو الكرامة الإنسانية. نحن مؤتمنون على قيم متجذّرة في وجداننا الجماعي، قيم الستر والرحمة والإنصاف.
في المغرب، الذاكرة الشعبية لا تنسى، والمجتمع لا يرحم، والمغاربة لا يغفرون بسهولة حين تُنتهك كرامة أحدهم علنًا. الفضائح لا تُعالج بالتشهير، بل بالستر والتأمل والمحاسبة العادلة. فما الذي يستفيده المجتمع إذا تم فضح فتاة أو شاب أخطأ عن حسن نية، أو سوء تقدير، أو ساقه حظه العاثر إلى موقف لم يُحسن تقدير خطورته
هل يمكن للصحفي أو الإعلامي أو المؤثر نفسه على مواقع التواصل الاجتماعي أن يتجاهل مدى خطورة الأضرار النفسية والأسرية والعائلية والاجتماعية التي يمكن أن يسببها للمُشهَّر به، بدون سند قانوني أو أخلاقي أو مجتمعي ثم ماذا لو كان المُشهِّر مكان المُشهَّر به
الأسئلة هنا ليست تقنية، بل أخلاقية. ما جدوى تسليط الضوء على الحياة الخاصة لمواطن عادي هل أصبح السبق الصحفي أولى من احترام الحق في الخصوصية وهل باتت الصحافة تتغذّى على لحظات الانكسار بدل أن تسلّط الضوء على قضايا جوهرية تمس الصالح العام
إن ما نعيشه اليوم من انفلات إعلامي لا يمكن فصله عن غياب ثقافة إعلامية حقوقية لدى فئة واسعة من المستخدمين والفاعلين في المجال الرقمي. فالمؤثرون، الذين باتوا ينافسون الصحفيين في التأثير، لا يخضعون لأي تكوين مهني أو أخلاقي، مما يجعلهم يتعاملون مع القضايا الحساسة بمنطق الإثارة والربح، لا بمنطق المسؤولية والمصلحة العامة. وهنا تبرز الحاجة إلى إطار قانوني واضح يضبط المحتوى الرقمي، ويُحمّل كل فاعل مسؤوليته، سواء كان صحفيًا أو مؤثرًا أو ناشرًا.
في دول مثل فرنسا، أمريكا، وأغلب دول أوروبا، توجد قوانين صارمة تُجرّم التشهير، وتُعاقب من ينشر معلومات تمس بالحياة الخاصة للأفراد دون إذن أو مبرر قانوني. حتى في بريطانيا، حيث تنتشر صحافة التابلويد، هناك ضوابط قانونية وأخلاقية تُلزم الصحافي بالتحري، وتُعطي المتضرر حق الرد والتقاضي. فهل نحن أقل حرصًا على كرامة مواطنينا وهل نرضى بأن تتحول الصحافة إلى ساحة للتشفّي بدل أن تكون رافعة للوعي
ما يجب أن نعمله اليوم لا يقتصر على التنديد، بل يتطلب مراجعة جذرية لطبيعة العلاقة بين الإعلام والمجتمع. يجب تفعيل دور المؤسسات المهنية لضبط الانفلات، ومحاسبة من يخرق ميثاق أخلاقيات المهنة، كما يجب أن يُدرّس احترام الحياة الخاصة في معاهد الصحافة وكليات الإعلام، وأن يُربّى الجمهور على ثقافة التحقق لا التهجم، وعلى قيم الستر لا الفضائح.
كما أن مسؤولية حماية الكرامة لا تقع على الإعلام وحده، بل تشمل أيضًا الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية والدينية، التي يجب أن تغرس في الأجيال القادمة قيم الاحترام والتسامح وعدم التسرع في إصدار الأحكام. إن بناء مجتمع يحترم خصوصية أفراده يبدأ من التربية على التعاطف، لا على التشفي، وعلى الإنصاف، لا على الإدانة الجماعية.
التشهير ليس حرية تعبير، بل هو قتل رمزي، واغتيال معنوي، يترك جراحًا لا تُشفى. وإذا لم نضع له حدًا، فإننا نفرّط في أهم ما نملك كرامة الإنسان المغربي.
الصحافة ليست سلطة قضائية، ولا منصة للفرجة، بل هي ضمير المجتمع، وإذا فقدت هذا الضمير، فقدت شرعيتها.
قضية غيثة يجب أن تكون لحظة وعي، لا لحظة تشفٍّ. إنها قضية وعي مجتمعي وقانوني ومؤسساتي، تُسائل ضمائرنا جميعًا، كلٌّ من موقعه. كما يجب أن نستحضر فيها قيمنا المغربية ونُعيد ترتيب أولوياتنا، ونُدرك أن حماية الكرامة ليست خيارًا، بل واجبًا.
خطأ في التقدير أو سوء تقدير لا يجب أن يكون مقصلة لمستقبل الناس في علاقاتهم الإنسانية والمهنية والعائلية. استحضروا كرامة المواطن، والأطفال، والآباء، والأمهات. كيف سيشعرون وأنتم تشهّرون بأحد أفراد أسرهم بدون موجب حق مهني أو أخلاقي أو قانوني اليوم قد يُشهّر بالحياة الخاصة للمشاهير، وغدًا سيُبذل الجهد دون أي وازع للتشهير بأبنائنا وبناتكم. فلتستعدوا لأخذ الصف إذا لم يتم وضع حد لهذه الانتهاكات لأخلاقيات المهنة باسم السلطة الرابعة التي هي منها براء. لا للتشهير، نعم للكرامة.


