الملكية والإعلام الوطني… بين الذاكرة والرهان

الملكية والإعلام الوطني… بين الذاكرة والرهان

حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم: ذ. إبراهيم ابهوش|

نعيش اليوم في زمن تتكاثر فيه الأصوات الخارجية، وتتشابك فيه السرديات العابرة للحدود، ولم يعد من المقبول أن يظل الإعلام الوطني في موقع المتفرج، بينما تُستهدف رموز السيادة المغربية بحملات تشويه ممنهجة. فالهجوم الإعلامي الأجنبي، حين يطال الملكية، لا يُقصد به فقط شخص الملك، بل يُراد منه زعزعة الإجماع الوطني، وإرباك الوعي الجمعي، وإضعاف الثقة في النموذج المغربي المتفرد.
وحين تختار الصحافة الأجنبية لحظات مناسبة لتسوق صورًا مجتزأة، لتبني بها سردية مغلوطة عن المغرب، فهي لا تكشف حقيقة، بل تستغل فراغًا تركه الإعلام الوطني حين تراجع عن أدواره، وتخلى عن جرأته، وفقد صوته في الدفاع عن المشروع الوطني. وما يزيد الأمر خطورة، هو أن هذه السرديات لا تُستهلك فقط في الخارج، بل تجد لها صدى داخليًا، بفعل عقدة الأجنبي، وبفعل غياب إعلام تحليلي جريء يواكب التحولات ويحصّن الوعي.
في هذا السياق، لا يمكن الحديث عن الإعلام دون استحضار المؤسسة الملكية، التي شكلت على مدى قرون محور الإجماع المغربي، ورافعة الاستقرار، وذاكرة الأمة الحية. فهي ليست فقط مؤسسة دستورية، بل ذاكرة وطنية، ووجدانًا جماعيًا، ومرجعية أخلاقية وسياسية. بل هي التي تؤطر اللحظة، وتمنحها معناها، وتربطها بالماضي، وتفتحها على المستقبل، وتضمن الاستمرارية في زمن التحولات، وتمنح الشرعية في زمن الشك، وتؤطر الفعل في زمن التردد.
وحين نتحدث عن الملكية، فنحن لا نتحدث فقط عن شخص الملك، بل عن مؤسسة لها امتداد تاريخي، وعمق اجتماعي، ورمزية وطنية. إنها مؤسسة تتجاوز اللحظة، وتتجاوز الأشخاص، لتصبح جزءًا من الهوية، ومن الوجدان، ومن الذاكرة.
الملكية اليوم تتعرض لهجمة شرسة، منظمة، ممنهجة، من جهات متعددة، وليس من جريدة “لوموند” وحدها، بل من منصات مختلفة، ومن أقلام مأجورة، ومن ذباب إلكتروني، ومن خصوم الداخل والخارج. فهذه الهجمة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر شراسة، وأكثر تنظيمًا، وأكثر خطورة.
في هذا السياق، أصبح الإعلام الوطني مطالبًا بأن يرتقي إلى مستوى اللحظة، وإلى مستوى المؤسسة، وإلى مستوى الرهان. لا يمكن للإعلام الوطني أن يظل حبيس اللحظة، أو أسير التفاهات، أو رهين الأقلام المأجورة.
الإعلام الوطني يجب أن يكون في صلب المعركة، وفي قلب الرهان، وفي واجهة الدفاع عن الوطن، وعن رموزه، وعن مؤسساته.
نعم، لسنا اليوم في حاجة إلى إعلام يردد ما يقوله الآخرون، أو ينساق وراء صحافة العالم، أو يلهث خلف التفاهات، واللايكات، والأكثر مشاهدة، ومن المؤثر؟ نحن في حاجة إلى إعلام وطني، حر، مسؤول، ملتزم، قادر على أن يكتب قصتنا، وأن يدافع عن روايتنا، وأن يواجه الأكاذيب، وأن يفضح التزييف، وأن ينتصر للحقيقة.
نتذكر جميعًا أنه في سنة 1990، حين صدرت رواية “صديقنا الملك”، كان الإعلام الوطني في قلب المعركة، وكانت الصحافة الوطنية، رغم محدودية الإمكانيات، ورغم ضعف التكوين، ورغم غياب الدعم، قادرة على أن تواجه، وأن ترد، وأن تفضح، وأن تنتصر. وكانت هناك أقلام وطنية، وضمائر حية، وصحافيون ملتزمون، ومؤسسات إعلامية مناضلة.
اليوم، ماذا ينقصنا؟ نحن في حاجة إلى نفس الروح، وإلى نفس الالتزام، وإلى نفس الجرأة، وإلى نفس الوطنية. نحن في حاجة إلى إعلام وطني، لا يكتفي بالتنديد، ولا يكتفي بالرد، بل يبادر، ويواجه، ويكتب، ويفضح، وينتصر.
شخص الملك والمؤسسة الملكية ليست فقط مؤسسة دستورية، بل هي عنوان الاستقرار، وضمان الوحدة، ورمز السيادة. الدفاع عنها ليس فقط واجبًا باعتبارها من الثوابت، بل هو واجب وطني، وأخلاقي، وتاريخي.
لن نقبل أن يكتب الآخرون قصتنا، ولن نقبل أن يزوروا تاريخنا، ولن نقبل أن يشوهوا رموزنا، ولن نقبل أن يعبثوا بذاكرتنا، ولن نصدق أكاذيبهم…
نحن من يجب أن يكتب القصة، ونحن من يجب أن يروي الحكاية، ونحن من يجب أن يدافع عن الذاكرة، وعن الرموز، وعن الوطن.
إن الدفاع عن الملكية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو فعل وجودي، يُعبّر عن انتماء عميق، وعن وفاء لتاريخ مشترك، وعن إيمان بمستقبل موحد. الإعلام الوطني اليوم ليس أمامه خيار الحياد، ولا رفاهية التردد، بل عليه أن يكون في قلب المعركة، وفي واجهة الدفاع، وفي صلب البناء. فكما كانت الصحافة الوطنية بالأمس صوتًا للضمير، يجب أن تكون اليوم درعًا للذاكرة، وسيفًا للحقيقة، ومنبرًا للرواية الوطنية.
الآن دقت ساعة الحقيقة، ولن تُكتب قصة وطننا، بما له وما عليه، إلا بأقلامنا وبأصواتنا جميعًا. ولن تُروى الحكاية إلا بلغتنا، ولن تُصان الذاكرة الوطنية إلا بوعينا. فإما أن نكون في مستوى اللحظة، أو نترك الفراغ لغيرنا ليملأه بالتزييف والتشويه… وتلكم معارك أخرى!