حين تفشل الدعاية الرسمية… تلجأ الأنظمة المأزومة إلى الأصوات النشاز

حين تفشل الدعاية الرسمية… تلجأ الأنظمة المأزومة إلى الأصوات النشاز

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم: محمد الغيث ماء العينين|

في سياق إقليمي دقيق، تتقدّم العلاقات المغربية الموريتانية بخطى واثقة نحو شراكة استراتيجية غير مسبوقة، كما عبّر عنها بلاغ الديوان الملكي المغربي عقب اللقاء الذي جمع جلالة الملك محمد السادس بفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. هذه الدينامية الجديدة لا تقتصر على مجالات التعاون التقليدي، بل تشمل مشاريع ذات بعد قاري، كأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، ومبادرة ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، وغيرها من الآفاق الواعدة.

لكن هذه الطفرة في التعاون الثنائي لا تُرضي كل الأطراف. فبينما يشتغل المغرب وموريتانيا بمنطق التكامل السيادي والمصالح المشتركة، تتوالى محاولات التشويش على هذا المسار، عبر حملات دعائية تتخذ من مزاعم غير مؤكدة ذريعة للتأليب والتحريض، كان آخرها الترويج المكثف من طرف جبهة البوليساريو وبعض المنابر الموالية لها، لحادث يُقال إنه يتعلق بمنقبين موريتانيين تعرضوا للقصف داخل المنطقة العازلة.

ورغم انتشار صور يُقال إنها ترتبط بالحادث، لم يصدر أي تأكيد رسمي من السلطات المغربية أو الموريتانية بشأنه، ولا توفرت معطيات موثوقة حول الملابسات الفعلية.
وإذ يظل أصل الرواية في حكم غير المؤكد، فإن استغلال هذا النوع من الأخبار، سواء كانت مزاعم أو وقائع ثابتة، يبقى أمرًا مرفوضًا أخلاقيًا وسياسيًا، متى استُخدم لتأجيج العداء أو لتقويض علاقات حسن الجوار. بل إنه يُعد دليلًا إضافيًا على حالة السقوط الأخلاقي الذي بلغه الخطاب الدعائي الموجه، وعلى مدى الأزمة التي تعيشها السردية الجزائرية الداعمة للانفصال، بعد أن استنفدت أدواتها وخسرت رصيدها الرمزي والإقناعي في الداخل والخارج.

واقع الحال أن الآلة الدعائية الجزائرية تواجه حالة من الانكشاف التام. فلم تعد جبهة البوليساريو، التي تعيش موتًا سريريًا دبلوماسيًا، قادرة على تحريك الرأي العام، ولا الإعلام الرسمي الجزائري يملك الحد الأدنى من المصداقية خارج الحدود. ولذلك، لم يبق أمام صُنّاع القرار هناك سوى خيار واحد: تجنيد أصوات من دول الجوار، تُتقن فن الهجوم على أوطانها، وتُمارس المعارضة بلسان خصوم بلادها، وتُستدعى كلما اشتدت الحاجة إلى تعكير صفو العلاقات بين الأشقاء.

أما ما حدث مؤخرًا، من توغل وحدات عسكرية جزائرية داخل التراب الموريتاني دون تنسيق، فهو مؤشر إضافي على طبيعة الضغوط المتعددة التي تمارسها الجزائر على موريتانيا: عسكرية، إعلامية، ورمزية، تُحاول من خلالها إرباك خياراتها السيادية، وتطويق تقاربها الطبيعي مع المملكة المغربية.

لكن الرهان على التشويش عبر الأصوات المتطرفة أو الرسائل الملغومة، لن يغيّر شيئًا من حقيقة أن نواكشوط والرباط تبنيان اليوم شراكة مستقبلية تقوم على المصالح لا على المناورات، وعلى الاستقرار لا على الابتزاز، وعلى الوعي بأن زمن التوظيف السياسي للنزاعات قد ولّى.

لقد أصبح من الواضح أن الاستقرار في المغرب وموريتانيا يُقلق من اعتادوا على توتر مزمن في الجوار، وأن التحول الهادئ الذي تعرفه نواكشوط لم يعد يقبل وصاية غير معلنة من أي جهة كانت. وحين يُصبح خطاب “المعارضة” أقرب إلى خطاب الدولة الجارة التي تضغط، فإن التمييز بين المعارضة والبوق يصبح ضروريا، حفاظًا على صدقية النقد، واحترامًا لذكاء الشعوب