هل تريد حكومتنا صحافة تابعة أم سلطة رابعة مستقلة ومسؤولة؟

هل تريد حكومتنا صحافة تابعة أم سلطة رابعة مستقلة ومسؤولة؟

حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

بقلم : ذ. إبراهيم أبهوش |

تقف الصحافة المغربية اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فهي بين خطاب الهشاشة الذي يختزلها في بعدها الاقتصادي وبين طموح الريادة الذي يسعى إلى جعلها سلطة اعتبارية مؤثرة في المجتمع والدولة. لقد ألغت مدونة الصحافة والنشر العقوبات السجنية في قضايا النشر، لكنها أبقت على قيود صارمة في المتابعات بالقانون الجنائي، دون استحضار لحق الرد المكفول قبل أي متابعة قضائية، ودون اعتبار لحسن النية في أي متابعة، وهو ما يجعل الحرية نسبية ومشروطة ويضع الصحفي أمام رقابة ذاتية خانقة. وفي الوقت نفسه يطرح مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة سؤالًا جوهريًا حول مدى استقلالية هذه الهيئة التنظيمية عن السلطة التنفيذية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مؤسسات مستقلة فعلًا قادرة على حماية المهنة وضمان أخلاقياتها، أي التنظيم الذاتي الذي يستمد شرعيته من الدستور ويعكس روح المسؤولية المهنية.

وإذا كانت بلادنا المغرب تحتل مراتب متقدمة نسبيًا في مؤشر حرية الصحافة على المستوى العربي والإفريقي، حيث جاء في المرتبة 129 عالميًا وفق تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لسنة 2025، متفوقًا على دول مجاورة مثل الجزائر وموريتانيا، فإنه ما زال بعيدًا عن المراتب الأولى التي تحتلها دول اسكندنافية مثل النرويج والسويد وفنلندا. ومن حقنا أن نأمل ونتفاءل، فهذا الترتيب يعكس واقعًا مزدوجًا: تقدم إقليمي نسبي، وتحديات قائمة عالميًا، ويؤكد أن الطريق ما زال طويلًا أمامنا إذا أردنا أن نضع صحافتنا في مصاف النماذج العالمية.

المنظار الحقيقي الذي يجب أن نعتمده في تقييم أداء الصحافة المغربية ليس مجرد الأرقام أو التصنيفات، بل القدرة المهنية، المسؤولية، والالتزام. فالصحافة ليست قطاعًا هشًا كما يُسوَّق لها أحيانًا، بل هي سلطة رابعة تستمد قوتها من رسالتها الفكرية المرتبطة بالوعي الجمعي. اختزالها في خطاب الهشاشة يُضعف مكانتها الاعتبارية ويجعلها تبدو عاجزة عن أداء دورها التاريخي، بينما المطلوب هو الاعتراف بها كقوة مقاومة قادرة على مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية. وقد أبانت الصحافة المغربية عن قدرتها وقوتها في أكثر من مناسبة، وظلت تلك المواقف مسجلة بمداد الفخر والاعتزاز في تاريخنا الوطني والوحدوي.

أصوات النقابات المهنية وجمعيات المجتمع المدني تؤكد أن مستقبل الصحافة لن يُبنى بالدعم المالي وحده، بل بالاستقلالية التحريرية والحق في الوصول إلى المعلومة، والشفافية في توزيع الدعم، بما يفتح الباب أمام الصحافيين والمؤسسات الإعلامية للتنافس المهني المطلوب من ناحية التأثير والجودة والتوعية المجتمعية واحترام الثوابت الوطنية والحضور العالمي. نحن في زمن التقنية، ولم يعد مقبولًا القول إن هذه جريدة وطنية وتلك محلية، فالحضور اليوم عالمي، ويبقى المحتوى الإعلامي هو الفيصل.

وأمام كثرة الاجتهادات الفارغة المبنية على إرادة التحكم، يجب أن نؤكد أنه لا ينبغي الخلط بين صُنّاع المحتوى الرقمي ومن يُطلق عليهم بالمؤثرين وبين الصحفيين. فالمؤثرون ليسوا سلطة رابعة ولا ينتمون إلى المهنة التي تقوم على قواعد أخلاقية وتشريعات قانونية واضحة. المؤثر يعتمد على صفحات شخصية تقوم على عدد “اللايكات” والمتابعين، وإن لم يكن قد تم شراؤها أو ربطها بمواقع زيادة عدد المشاهدات، فإنها تظل قائمة على أسلوب تقني لا علاقة له بالصحافة المهنية. هذا الأسلوب الذي يعتمد على التفاعل اللحظي لا يعتمده الصحفيون، بحكم ما يطوقهم من أخلاقيات المهنة، حيث الصحافة تقوم على التحقق من المعطيات واحترام الحقيقة وتحمل المسؤولية أمام المجتمع. ومنه فإن الخلط بين المؤثر والصحفي يُشوّش على الرسالة الفكرية للصحافة ويُضعف مكانتها الاعتبارية، وبالتالي يجب أن يُعاد الاعتبار للصحافة كسلطة رابعة مستقلة، بينما يُنظر إلى المؤثرين كفاعلين في مجال التواصل الاجتماعي لا أكثر.

هنا يطرح السؤال الحارق: ماذا تريد الحكومة من صحافتنا الوطنية؟ هل تريدها مجرد أداة للترويج الرسمي أم سلطة اعتبارية قادرة على مساءلة السياسات العمومية؟ وفي المقابل، ماذا تريد صحافتنا الوطنية من الحكومة؟ هل يكفيها الدعم المالي الذي يُوزع على المؤسسات، أم أنها تطالب بضمانات حقيقية للاستقلالية التحريرية والحق في الوصول إلى المعلومة؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا، بل هي جوهر النقاش الذي يجب أن يُفتح بجرأة ومسؤولية.

إن الإعلام الوطني يحتاج اليوم إلى أفكار عملية عاجلة، لا إلى شعارات عامة غير قابلة للتطبيق. يحتاج إلى غرفة يقظة إعلامية ترصد الأخبار الزائفة وترد عليها بسرعة، وإلى استراتيجية موحدة تجعل الخطاب الإعلامي متماسكًا ومرتبطًا برهانات المغرب، وإلى تكوينات حديثة للصحفيين في مجالات التحقق من الأخبار وإدارة الأزمات والتحليل الرقمي. يحتاج أيضًا إلى دعم مالي يرتبط بتحسين أجور الصحفيين وضمان الأمن الاجتماعي لأسرهم، لا إلى توجيه بيروقراطي يقتل الإبداع. يحتاج إلى منصات رقمية متعددة اللغات تعزز الحضور الخارجي والدبلوماسية الإعلامية، وإلى صحافة استقصائية تكشف الحقائق وتبني الثقة بين المواطن والدولة، في إطار من المسؤولية المشتركة يكون الحكم فيها لمؤسسات التنظيم الذاتي ثم القضاء بعد استكمال كل إجراءات التنظيم الذاتي بما لها من تقييم وتحكيم يهم الشأن الصحفي المهني ممارسة وأخلاقًا. كما يحتاج إلى شراكات وطنية ودولية تجعل المغرب حاضرًا بقوة في فضائه القاري والعالمي.

الخلاصة يجب أن تنتهي بما هو أبعد من التشخيص، بل من واجبنا كصحفيين أن نضع الحقيقة في صلب رسالتنا وأن ندافع عن استقلالية المهنة، ومن واجب الدولة أن توفر الإطار القانوني والحماية للصحفيين، فلا المؤسسات الصحفية تملك ميزانيات لأداء أحكام الغرامات ولا الصحفيون قادرون على تحمل أحكام سالبة للحرية بمتابعات جنائية. لذلك من واجب المجتمع أن يمنح الثقة والدعم والمشاركة مع الصحافة والإعلام. ومنه فإنه في ظل ما قضت به المحكمة الدستورية بخصوص قانون المجلس الوطني للصحافة، يتعين على الحكومة والبرلمان أن يستخلصا الدروس والعبر، وأن الدفاع عن المهنة وقضاياها لا يعني مخاصمة الحكومة ولا البرلمان، بل يعني الدفاع عن حق كوني ومجتمعي في أبعاده المشتركة والمتعددة. إن الجلوس إلى طاولة الحوار مع المهنيين يخدم مصلحة الوطن في مواجهة المؤامرات والسرديات الهدامة للخصوم، ويفتح أفقًا جديدًا لاستشراف المستقبل بقوة إعلامية ناعمة، قادرة على حماية صورة المغرب وصون رسالته الفكرية، لأن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل هو واجب وطني ومسؤولية جماعية، وهو اليوم في حاجة إلى إرادة سياسية ومهنية مشتركة تضعه في مكانته الحقيقية كسلطة رابعة، لا كقطاع هش أو تابع، بل كقوة اعتبارية تليق بمغرب يسعى إلى الريادة إقليميًا وعالميًا… نأمل ذلك صادقين.