من الكان إلى المونديال… معركة الإعلام قبل معركة الملاعب

من الكان إلى المونديال… معركة الإعلام قبل معركة الملاعب

حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم : ذ. إبراهيم أبهوش |

أبان المغرب عن علو كعبه خلال تنظيمه لكأس أمم إفريقيا 2025، وأثبت للعالم أن قدراته التنظيمية واللوجستية والبشرية قادرة على إنجاح أكبر التظاهرات الرياضية القارية. لم يكن الهدف مجرد نجاح محلي أو إقليمي، بل عبّر المغرب عن رغبته الصادقة في إنجاح العرس الإفريقي، إيماناً منه بأن تحسين صورة إفريقيا عالمياً مسؤولية مشتركة، وأن الرياضة يمكن أن تكون جسراً للتقارب بين الشعوب ووسيلة لإبراز الوجه الحضاري للقارة السمراء. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه المجهودات التي بذلها المغرب ملكاً وحكومة وشعباً، تنكر لنا بعض الأشقاء الأفارقة وسلّطوا إعلامهم للدعاية المغرضة ونشر الأخبار الكاذبة وتكييف الحقائق بما يخدم أجندات بعيدة عن روح الرياضة وقيمها. وهنا يطرح السؤال الحارق نفسه: ماذا يجب أن يكون لو لم يكن المغرب هو ذاك البلد المتسامح؟ وإلى متى سنظل نتسامح مع هذا الانفلات؟ ألم يحن الوقت لنقول كفى؟ بلى، لقد آن الأوان أن نضع السيادة الإعلامية، بتمغرابيت أصيلة، في صدارة أولوياتنا الوطنية باعتبارها الحل الحاسم لمواجهة الأعداء والمنافقين وأصحاب الأحقاد وصناع التفاهة والدعاية الزائفة والإشاعة المغرضة.
يمكن أن نهنئ السلطات الأمنية على حكمة التعامل مع تصرفات بعض المشجعين السنغاليين واعتداءاتهم في مباراة النهائي، ولا يجوز أن نغفل التنويه بكل من ساهم من قريب أو بعيد بروح من المسؤولية والتضحية في إنجاح هذا العرس الرياضي، رغم ما آلت إليه تصرفات الناخب السنغالي الذي استعاد بجمهوره أسلوباً لإفساد النهائي، ضداً على إرادة منتخب مغربي قوي وناجح رياضياً وأخلاقياً وعالمياً. لكن حبنا لإفريقيا حال بيننا وبين الكأس، بكل المقاييس العالمية في التحكيم الرياضي (FIFA)، وهو دليل على أن المغرب يضع القيم فوق النتائج، ويضع صورة القارة فوق حسابات الربح والخسارة.
السيادة الإعلامية ليست شعاراً عاطفياً ولا مطلباً ثانوياً، بل هي خط الدفاع الأول عن صورة المغرب ومكانته الدولية، وهي السبيل الوحيد لصناعة سردية وطنية قوية تنتصر لقضايانا الكبرى وتحصّن الوطن من حملات التشويه والتبخيس والتشكيك. مواجهة المؤامرات والأكاذيب لا تكون إلا بصناعة إعلامية احترافية، قادرة على الترافع عن الوطن في المحافل القارية والدولية، ومؤهلة لتفكيك خطاب الخصوم بالحجة والدليل، ومتمكنة من تحويل التغطية الإعلامية، سواء كانت سياسية أو رياضية، إلى خطاب دبلوماسي موازٍ يشرح للعالم حقيقة المجهودات المغربية في التنظيم الرياضي والدبلوماسي.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أننا أغفلنا عبر سنوات طويلة أهمية الاستثمار في كفاءاتنا الوطنية الصحافية والإعلامية، وأهملنا بناء شبكة متكاملة من المحطات التلفزيونية والإذاعية في ربوع الوطن، قادرة على أن تكون صوت الشعب وصوت الدولة في آن واحد. إن الصحافيين والإعلاميين المهنيين، كل من موقعه واختصاصه، لا يطلبون سوى القيام بواجبهم المهني دون أي توجيه سوى الدفاع عن الوطن، نقل الحقيقة، وصناعة سردية وطنية متماسكة. لكن ذلك يقتضي أن تنصت الدولة لهم، أن تستمع لقضاياهم، وأن تجعل الأولوية للوطن قبل أي اعتبار آخر.
لا نخجل من القول إن الإعلام المغربي فقد جزءاً من قوته في محطات عديدة، بعدما كان في معركة الوحدة والاستقلال صوتاً صادحاً، وفي قضية الصحراء سنداً قوياً، وفي المسيرة الخضراء أداة للتعبئة الوطنية، وفي معارك حقوق الإنسان وطنياً ودولياً منبراً للترافع، وفي معارك التنمية الاجتماعية والاقتصادية شريكاً أساسياً في البناء. هذا التراجع لا يعكس ضعف الكفاءات، بل ضعف الاستثمار فيها، وضعف الإرادة في جعل الإعلام الوطني أداة سيادية حقيقية.
المعارك من أجل الوطن واجب، والسيادة الإعلامية شرط لا يمكن الاستغناء عنه، والاختلاف بين المهنيين رحمة، والتوافق بينهم إرادة من أجل الإصلاح. وإذا كان المغرب قد نجح في التنظيم الرياضي، بدءاً من رئيس الجامعة فوزي لقجع، وانتهاءً بآخر موظف جعل من ضميره المهني أولوية للوطن، فإنه يحتاج اليوم إلى تنظيم إعلامي يوازي هذا النجاح. فالمعركة الحقيقية لم تعد تُخاض في الملاعب وحدها، بل في الفضاء الرقمي والإعلامي حيث تُبنى شرعية الدول على قوة سرديتها الإعلامية بقدر ما تُبنى على إنجازاتها الميدانية.
لقد آن الأوان أن ننتقل من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، وأن نصنع إعلاماً وطنياً قوياً، يواجه الأكاذيب بالدليل، ويسقط الدعاية بالحجة، ويعيد الاعتبار لصوت المغرب في إفريقيا والعالم. السيادة الإعلامية أولاً وأبداً، فهي الحل لمواجهة الدعاية الزائفة والإشاعة المغرضة، وهي السبيل لصناعة سردية وطنية تنتصر لقضايانا الكبرى، وهي التعبير الحقيقي عن إرادة الشعب الذي يريد إعلاماً قوياً مؤثراً في صناع القرار الوطني، إعلاماً يليق بمغرب اليوم ومغرب الغد، إعلاماً يضع الوطن فوق كل اعتبار.