الرباط تتحدث بصوت إفريقي قوي… زوما يشهد على مغربية الصحراء ويهز ثوابت بريتوريا

الرباط تتحدث بصوت إفريقي قوي… زوما يشهد على مغربية الصحراء ويهز ثوابت بريتوريا

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم:ذ . ابراهيم ابهوش.
اعتراف الرئيس السابق لجنوب إفريقيا، جاكوب زوما، بمغربية الصحراء ودعمه الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية ليس مجرد موقف عابر، بل خطوة محورية في سياق التحولات السياسية التي تعرفها القارة الإفريقية. هذا التصريح يحمل دلالات عميقة بالنظر إلى مكانة زوما، ليس فقط كرئيس سابق، بل كزعيم لحزب سياسي ثالث في البلاد يتمتع بتمثيل برلماني وتأثير ملموس في الرأي العام الجنوب إفريقي.
زوما، الذي كان خلال فترة رئاسته يُحسب على التيار المؤيد للبوليساريو، أعاد صياغة موقعه السياسي عبر تأسيس حزب uMkhonto we Sizwe، وبذلك لم ينسحب من المشهد، بل اختار العودة من بوابة القوة الشعبية والمؤسساتية، مسلحًا بتجربة دولة وبموقع رمزي وثقافي لا يمكن تجاهله. هذا التحول الفكري يُعبر عن قناعة جديدة بواقعية المبادرة المغربية التي قدمتها المملكة كأساس لحل النزاع الإقليمي، ويحمل معه رسالة ضمنية إلى النخب السياسية الإفريقية بأن الوقت قد حان لقراءة جديدة للملف المغربي وفقاً لمصالح الشعوب.
في السياق الدبلوماسي، يعكس موقف زوما نضجاً سياسياً يراعي التحولات الجيوسياسية في القارة، ويُظهر استعداداً لإعادة بناء علاقات جنوب إفريقيا الخارجية على أسس واقعية ومنفتحة. فالمملكة المغربية اليوم تُعد قوة إفريقية محورية، تلعب دوراً فاعلاً في التنمية، وتربطها علاقات استراتيجية مع عدد كبير من دول القارة، وبالتالي فإن موقف زوما لا يُمكن فصله عن إدراكه لأهمية التقارب مع الرباط، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو السياسي.
ورغم وجود بعض من يشكك في قدرة جاكوب زوما على إحداث تحول جذري في موقف جنوب إفريقيا الرسمي، إلا أن هذا التشكيك لا يصمد أمام معطيات الواقع. زوما يقود حزباً سياسياً برلمانياً، ويتحرك ضمن شبكة علاقات دولية وداخلية واسعة، ولا يزال يحتفظ بامتيازات الرئاسة التي تعزز من حضوره العام. إلى جانب ذلك، فإن تأثيره لا يتوقف عند المؤسسات، بل يشمل النخبة الفكرية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، وهي كلها ساحات يُجيد التحرك داخلها لبناء رأي عام داعم لتوجهاته.
وبالتالي، فإن التصريح الصادر عن زوما يُشكل مقدمة محتملة لتحولات أعمق في خطاب الدولة الجنوب إفريقية تجاه قضية الصحراء المغربية، خاصة إذا نجح في فرض توجهات حزبه على برامج الحكومة أو ساهم في بناء تحالفات سياسية جديدة. فالمواقف السياسية لا تُقاس فقط بمن يشغل المنصب، بل بمن يحرك المجتمع ويحشد الفكر ويستثمر في السياق الدولي لصياغة تموقع جديد.
وفي قلب هذا التحول الإفريقي، تبرز القلعة الحصينة للدبلوماسية المغربية، التي تُدار بفضل السياسة الحكيمة والرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كقوة دافعة وصانعة للتموقعات الجديدة في القارة. هذا العمل الدبلوماسي المتبصر، الذي يجمع بين النَفَس الاستراتيجي والاشتغال المستمر، جعل من المغرب طرفاً محترماً وفاعلاً في مختلف الملفات الإفريقية، وعلى رأسها قضية الصحراء التي لم تعد تُناقش في أروقة الاتحاد الإفريقي بنفس المنطق القديم.
إن التأثير السياسي المتنامي لزوما يشكل محفزاً جديداً لمواقف أكثر نضجاً داخل دول القارة، وقد يكون له دور محوري في الدفع نحو إعادة تقييم وضع البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي. فحين يصدر هذا الموقف من شخصية تحظى بالاحترام التاريخي والنضالي في القارة، فإنه يُشكّل أرضية قوية لتوسيع دائرة التأييد لمبادرة الحكم الذاتي، خاصة وأن دولاً إفريقية عديدة باتت ترى في الطرح المغربي إطاراً عملياً لحل مستدام.
المغرب، من جهته، واصل كسب دعم مزيد من الدول الإفريقية، عبر شراكات تنموية ملموسة، وعبر آليات التعاون جنوب-جنوب، التي وضعتها الرؤية الملكية في صلب السياسة الخارجية المغربية. واليوم، يُمكن القول إن قضية الصحراء المغربية لم تعد فقط قضية دبلوماسية، بل قضية ملك وشعب، قضية وحدة وطنية وتلاحم بين العرش والشعب، تتجدد فيها إرادة الأمة كلما تجددت التحديات.
وفي خضم هذه التحولات، يُبرهن المغرب مرة أخرى أن البناء الصبور للمواقف، والاشتغال الذكي على التفاصيل، والتفاعل الدقيق مع محيطه الإفريقي، هو السبيل الوحيد نحو ترسيخ شرعية قضيته العادلة، وتحويل الإجماع الداخلي إلى حضور خارجي يُكتب بأحرف واثقة في سجل التاريخ الدبلوماسي المعاصر.