
الحكم الذاتي أو العزلة … أي خيار للبوليساريو؟
بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش |
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها نزاع الصحراء المغربية، تأتي رسالة حركة “صحراويون من أجل السلام” كمبادرة تاريخية تهدف إلى كسر الجمود السياسي وإعادة توجيه النقاش نحو حلول أكثر عمقًا وواقعية، هذه الحركة التي انبثقت من داخل المجتمع الصحراوي بمختلف فئاته وتوجهاته الإيديولوجية، لا تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنها تقدم نفسها كصوت صحراوي جديد يسعى إلى تجاوز أخطاء الماضي والتأسيس لمقاربة سياسية قائمة على لغة الحكمة والعقل والحوار الهادف والمسؤول والتوافق بعيدًا عن منطق الصراع العسكري الذي لم يحقق أي نتائج تُذكر.
لسان حال كل الصحراويين، في سياق هذه التحولات أصبح من الواضح للعالم أجمع أن النزاع الصحراوي لم يكن يومًا مجرد خلاف سياسي بل هو تركيبة معقدة من التداخلات الجغرافية القبلية والتدخلات الإقليمية التي ساهمت في إطالة أمد الأزمة، التي أفشلت جميع المبادرات السابقة التي حاولت حل النزاع بدءًا من محاولات الاستفتاء الذي لم يرَ النور بسبب إشكالية تحديد هوية الصحراويين مرورًا بالمفاوضات المتعثرة التي لم تحقق أي اختراق ملموس وصولًا إلى العودة إلى قرار المواجهات المسلحة من طرف واحد، التي لم تُسفر إلا عن مزيد من العزلة السياسية للبوليساريو.
وبعد فشل عملية تحديد الهوية وتجاوز الاستفتاء، اقترحت الجزائر خيار التقسيم، وهو الذي تصدى له الشعب المغربي قاطبة، مؤكدًا أن قضية الصحراء المغربية ليست قضية معزولة بل هي قضية شعب بأكمله. الواقع الجديد يفرض سؤالًا جوهريًا إذا كان خيار الاستفتاء قد فشل بسبب التعقيدات القبلية والجغرافية التي انتهجتها البوليساريو والجزائر لإفشال مسلسل تحديد الهوية، فلماذا لا يتم تبنّي مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الأكثر واقعية؟ هذا الطرح لم يعد مجرد وجهة نظر بل أصبح يحظى بدعم دولي متزايد كبديل عملي لإنهاء النزاع، حيث يتبناه العديد من الدول والهيئات الدولية باعتباره أحد أشكال تقرير المصير التي تضمن الاستقرار وتحفظ الحقوق السياسية والاجتماعية للصحراويين.
في هذا الإطار، تبرز مبادرة “صحراويون من أجل السلام” كإضافة نوعية للمشهد السياسي، حيث تدعو إلى تجاوز الجمود وإيجاد حل سلمي بعيدًا عن الصراعات العسكرية غير المثمرة. إن هذه الحركة تمثل تيارًا جديدًا يعكس تطلعات الصحراويين لحل عادل ومستدام، بعيدًا عن الإقصاء والتعنت السياسي. علاوة على ذلك، تشكل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب فرصة عملية لتنزيل مشروع الحكم الذاتي وتجسيد مبادئه على أرض الواقع. هذا المسار الانتخابي يمكن اعتباره تمرينًا توافقيًا تدبيريًا من شأنه تعزيز تجربة التدبير المشترك بين مختلف القبائل الصحراوية وساكنة الجهات الثلاث، ما يسمح لهم بالمشاركة الفعلية في السياسات العمومية من داخل المؤسسات، وليس فقط كنظرية سياسية.
ومن بين المؤسسات التي لعبت دورًا مركزيًا في هذا المسار، المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، الذي تأسس كهيئة استشارية تهدف إلى دعم جهود التنمية وإشراك الفاعلين المحليين في صياغة السياسات العمومية المتعلقة بالأقاليم الجنوبية. شهد المجلس مرحلتين مهمتين في مسيرته، حيث راكم عبر سنوات تأسيسه وإعادة هيكلته تجارب سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة ساعدت على بلورة نموذج التدبير المحلي في الصحراء المغربية. ورغم النجاحات التي حققها، لا تزال بعض التحديات قائمة، حيث يتطلع الجميع إلى استثمار هذه التجربة في تنزيل مشروع الحكم الذاتي بما يخدم الساكنة على جميع المستويات، ويعزز التمثيلية الحقيقية لساكنة الصحراء في إدارة شؤونهم ضمن إطار المؤسسات المغربية.
تطرح حركة “صحراويون من أجل السلام” نفسها كبديل سياسي ينشد السلام، ويرفع شعار لا لتكرار المواقف السابقة، بل لإعادة صياغة المشهد الصحراوي عبر حوار شامل يضمن تمثيلية حقيقية لجميع الصحراويين بغض النظر عن انتمائهم الجغرافي أو السياسي. والدعوة إلى الحوار ليست مجرد طرح نظري بل هي دعوة واضحة لعقد لقاء بين مختلف الأطراف الصحراوية للنقاش حول الخيارات المستقبلية بعيدًا عن الإقصاء والجمود السياسي.
الأسئلة التي يطرحها الصحراويون أنفسهم أصبحت أكثر إلحاحًا: لماذا يجب أن يظل البوليساريو والجزائر الصوت الوحيد الذي يتحدث باسم الصحراويين؟ لماذا يتم تجاهل التحولات الكبرى التي جعلت الصحراويين أنفسهم أكثر انفتاحًا على خيار الحكم الذاتي إذا كان هناك إجماع دولي متزايد على دعم هذا الخيار؟ فهل يمكن للبوليساريو والجزائر الاستمرار في عزل أنفسهم عن الواقع وما الذي يمنعهم من الجلوس إلى طاولة الحوار والاستماع إلى الأصوات الصحراوية التي قررت الخروج من منطق الصراع نحو منطق التسوية السلمية؟
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للبوليساريو والجزائر أمام المجتمع الصحراوي والدولي، فعلى مدى العقود الماضية استثمرت الجزائر في دعم البوليساريو سياسيًا وعسكريًا، لكن هذا الدعم لم يثمر عن أي تقدم يُذكر بل ساهم في تأجيج النزاع وإطالة أمد المعاناة الإنسانية في مخيمات تندوف… اليوم ومع تزايد الاعترافات الدولية بالحكم الذاتي المغربي تجد الجزائر نفسها أمام مأزق سياسي: هل ستواصل دعمها التقليدي للبوليساريو رغم التحولات الدولية أم أنها ستضطر إلى إعادة تقييم موقفها؟
إذا كان المجتمع الدولي قد دعم البحث عن تسوية سلمية لعقود، فهل سيضغط على الأطراف المنخرطة في النزاع لقبول الحوار الداخلي الذي دعت إليه حركة “صحراويون من أجل السلام”؟ أم أن الوضع سيظل رهينة الحسابات السياسية الإقليمية؟ وهل سيكون هناك توافق دولي لدعم تنزيل الحكم الذاتي وفق رؤية شاملة تحمي حقوق جميع الصحراويين بغض النظر عن انتمائهم الجغرافي؟ أم أن بعض الأطراف ستظل تُكرّس العزلة والجمود السياسي الذي لم يخدم أي طرف حتى الآن؟
بالنتيجة، ليس الهدف تقديم أجوبة جاهزة، بل إثارة الأسئلة التي يجب أن تُطرح بصوت عالٍ، وهي أن الحكم الذاتي ليس مجرد طرح إداري، بل هو مشروع سياسي متكامل يتطلب توافقًا داخليًا ودعمًا دوليًا لضمان نجاحه. الأطراف التي ترفض الاعتراف بهذه الحقيقة لن تتمكن من مواصلة العزلة إلى ما لا نهاية، لأن الصحراويين أنفسهم بدأوا في إعادة النظر في مسار القضية، ولا يمكن لأي طرف أن يصادر صوتهم إلى الأبد!
فهل ستتوفر الإرادة السياسية الكافية لإنجاح هذا النموذج أم أن النزاعات التقليدية ستظل حجر عثرة أمام أي تقدم حقيقي؟ المجتمع الصحراوي يريد الإجابات والعالم يراقب.


