” نظرة على بعض مضامين المبادرة المغربية للحكم الذاتي في ظل النقاش الدائر حول “التحيين” و “التفصيل” “

بقلم : د. الطالب بويا ماء العينين ( طالب زايدنا)|

بخصوص ما يثار حول القرار الاممي 2797 و تحيين مبادرة الحكم الذاتي اضع بين أديكم ورقة ، مختصرة جدا ، كانت جزء من اعداد اطروحة الدكتوراه تعميما للفائدة و تعميقا للنقاش ؛
” نظرة على بعض مضامين المبادرة المغربية للحكم الذاتي
في ظل النقاش الدائر حول “التحيين” و “التفصيل” “

إذا كان نظام الجهوية الموسعة أو الحكم الذاتي الذي يتصوره المغرب ويسعى إلى تطبيقه على أرض الواقع يراد له أن يضمن للصحراويين حقوقهم وكرامتهم، فإنه بالمقابل يراد له ضمان السيادة والوحدة الترابية. في هذا الخضم جاءت المبادرة لتمنح سكان الصحراء صلاحيات واختصاصات واسعة في الميادين التشريعية والتنفيذية والقضائية لتدبير شؤونهم المحلية وفق المبادئ والقواعد الديمقراطية. أما على المستوى الاقتصادي فإن التدبير لا يستوي إلا بخلق شروط تروم تنمية اقتصادية حقيقية تستهدف الانسان و المجال من خلال التخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والسياحة… يأتي ذلك تدعيما لاختصاصات جهة الحكم الذاتي التي يمارسها سكان الصحراء، داخل الحدود الترابية للجهة. إضافة إلى اختصاصات أخرى واردة في نص المبادرة المغربية متعلقة بميزانية الجهة ونظامها الجبائي.
هذه المبادرة تعطي للدولة أحقية أن تحتفظ باختصاصات حصرية تتعلق أساسا بمقومات السيادة حيث تحتفظ السلطات المركزية بالعلم المغربي، النشيد الوطني، العملة، الشؤون الدينية التي تستمد أساسها من إمارة المؤمنين، ثم يليها الدفاع الوطني والسياسة الخارجية ؛ فالدولة إذن ستمارس الصلاحيات التي ترى أنها لا يمكن أن تنقل إلى منطقة الحكم الذاتي بالصحراء نظرا لارتباطها بالصفات الرمزية للسيادة (). فالهدف على ما يبدو من مشروع ورقة الحكم الذاتي إتاحة الفرصة لسكان المنطقة للاستفادة من خيار الجهوية السياسية كصيغة وسطية توفيقية تحقق غايات ووظائف نذكر منها :
* مراعاة الحقوق الأساسية لسكان المنطقة والتي تكمن في التعددية الثقافية وترسيخ الديمقراطية الحقة، بتوسيع دائرة المشاركة والممارسة السياسية في الأقاليم الصحراوية.
* الوظيفة الاقتصادية والتنموية التي تقوم على مشاركة المواطنين الصحراويين بصفتهم المعنيين الأوائل بوضع وتنفيذ المشروعات الخاصة بمنطقهم.
* الوظيفة الإدارية التي تتمثل في تخفيف الأعباء الملقاة على عاتق الدولة.
* الوظيفية الاندماجية التي تخلق الوعي الاجتماعي والنضج السياسي.
* الوظيفة التعاونية التي يسمح للدولة من خلالها، باعتبارها مؤسسة المؤسسات، أن تتدخل أو تقوم بنفسها بتلك المهام التي لا تستطيع المؤسسات الجهوية المحلية القيام بها بشكل مرضي رغم توفرها على موارد بشرية ومالية كافية.
* فصل السلطات العمودي من أجل تحقيق رقابة وشفافية أكثر فعالية.
هذه الغايات والوظائف تقودنا إلى القول إن هناك شروطا محددة لمضمون “الحكم الذاتي الجهوي” « autonomie régionale » في الصحراء، تعتبر ضرورية للتطبيق تهدف إلى تفادي قلاقل مستقبلية يمكن أن ينتج عنها عجز أو خلل في إدارة الإقليم، منها( ):
1- ضرورة أن تبسط الدولة هيمنتها وقدرتها على مباشرة مهامها المستوحاة من روح المبادرة المقدمة كحل سياسي وخاصة في المجالات التي أشرنا إليها سابقا والتي تخص السياسة الخارجية، الدفاع الوطني، السياسات الداخلية، المالية العامة والشؤون الدينية المرتبطة بإمارة المؤمنين وروابط البيعة التي تأسست عليها الملكية الدستورية.
2- محاولة خلق قدر من التوفيق ما بين المركزية واللامركزية : أي التكييف السديد والوجيه للتدبير الذاتي الجهوي autogestion régionale للصحراء مع الإمكانيات التي تسمح بها المراقبة التي تقوم بها السلطة المركزية لتفادي فقدان سلطة الدولة.
3- تعميم وتوحيد نظام الحكم الذاتي في الصحراء على كافة التراب الوطني، هذه الفكرة من المتمنيات، بل ضرورة، في إطار السياسة الجهوية التي تسعى البلاد إلى إرسائها والتي تشكل أيضا مطلبا ملحا لكل الفاعلين السياسيين المغاربة.
وعموما فإن توزيع الصلاحيات بين المركز والوحدات الذاتية يخضع للتطور المستمر انطلاقا من التجربة وإلحاح المتطلبات، ويبقى الضامن الأساسي لذلك هو القناعة الصميمية بالديمقراطية واللامركزية والتخلص من دعوات الانفصال والاستقلال ولعل نموذج الباسك وكاطالونيا لأحسن مثال على ذلك .

إن اعتماد المقاربة السلمية لحل النزاعات تجد أساسها في الفصل السادس من الميثاق الأممي الذي يدعو إلى الحل والتسوية السلمية للنزاعات ذات الطابع الدولي ()، ونظرا لكون الصحراء ليست بمعزل عن الإطار القانوني الدولي، فضل المغرب إخراج مقترحه إلى الوجود باعتباره حلا سياسيا يجب أن يتحقق بموجبه الحوار والتفاوض والتفاهم، إذ أعلن الملك في نونبر 2005 المبادرة المبنية على حل توافقي يخول الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا في إطار نظام جهوي متقدم، وهو المشروع الذي بمقتضاه انطلقت حملة المغرب الدبلوماسية منذ بداية سنة 2007، قادها شخصيات مهمة في الدولة و لها مهام استشارية لدى المؤسسة الملكية . حيث أوكلت لها مهمة الترويج لحكم ذاتي يساير المعايير الدولية ويمنح صلاحيات واسعة للساكنة المحلية في تدبير شؤونها، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الثقافية والجهوية استلهاما للمبادئ الكبرى التي تقوم عليها المنهجية المغربية التي لاقت صدى إيجابيا واستحسانا دوليا حيث إن المجتمع الدولي أصبح أكثر اطلاعا على الملف، بفضل المبادرة المغربية التي تعتبر خطوة سياسية ذكية وذات مصداقية قطعت الطريق على كل محاولة لاحتكار الحل والحد من المناورات المضادة ، كما مكنت من طي كل المعالجات الارتجالية والعشوائية التي تم التعاطي معها سابقا بخصوص ملف الصحراء
وبذلك يمكننا -وفي إطار تجاذبات ” جيوبولتيك الحكم الذاتي ،(géopolitique de l’autonomie)، التي ترتكز على معيار تدخل العنصر الأجنبي- القول إن مقترح الحكم الذاتي الذي يتبناه المغرب يأتي كمخرج للمأزق على مستوى المعالجة الدولية، لكونه يستجيب لتوجهين: أولهما أنه في كل صراع دولي ليس هناك غالب واحد يمكن أن يستأثر بكل شيء، مهما كانت شرعية حقوقه بناء على قاعدة لا غالب ولا مغلوب. وثانيهما أن هذا الحل يعتبر أن القضية يمكن أن تحل على أساس أنه لا إلحاق ولا انفصال، بل هناك وضعية خاصة تسمح للسكان بتدبير شؤونهم اليومية دون الارتقاء إلى شخصية دولية منفصلة.
وتبعا لذلك، فالأمر يتعلق بنظام خاص بالمناطق الصحراوية ينبغي أن ينال قبول المنتظم الدولي، اعتبارا بأن مجلس الأمن، وهو يتحرك في إطار الفصل السادس من الميثاق الأممي، يرى أن الهدف الرئيسي هو الوصول إلى حل متفاوض عليه ومقبول من كافة الأطراف، وأن الأمر في حالة قبول المقترح يعني نظاما نهائيا في صيغة حل سياسي دائم وليس انتقالي .
للإشارة تم اعداد هذه الورقة منذ سبعة عشر سنة ، ونحن الان في متم سنة 2025 ، و ها هي بعض معالمها في طور التبلور ولو ان التحدي ما يزال يحتاج الى مزيد من الوقت و الصبر .
الدكتور الطالب بويا زايدنا ماء العينين
باحث مهتم بالشأن التنموي والسياسي للأقاليم الجنوبية للمملكة

شارك المقال
  • تم النسخ