الملكية المغربية: عقد شرعي وإنساني يُجسد الاستثناء في تدبير الحكم

الملكية المغربية: عقد شرعي وإنساني يُجسد الاستثناء في تدبير الحكم

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

Loading

بقلم : ذ. إبراهيم أبهوش- صحفي مغربي|
هل يمكن لصحافة دولية أن تُحلل نموذجًا سياسيًا دون فهم جذوره التاريخية والثقافية؟ وهل يُقاس حضور الملك بمدى ظهوره الإعلامي أم بفعالية قراراته؟ وهل المرض في حد ذاته يُلغي الشرعية أو يُضعف القيادة؟ هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة أمام ما نشرته جريدة “لوموند” الفرنسية في مقالها بتاريخ 25 غشت، الذي تناول الملك محمد السادس من زاوية صحية وسياسية، دون إدراك لخصوصية النموذج المغربي في الحكم.
في المغرب، الملكية ليست مجرد مؤسسة دستورية، بل هي تعاقد شرعي وأخلاقي متجذر في التاريخ، يُعرف بالبيعة، ويُجسد علاقة ولاء ومسؤولية بين الملك والشعب. هذا العقد لا يُختزل في طقوس بروتوكولية، بل يُمثل جوهر الشرعية السياسية وركيزة الاستقرار الوطني. ومنذ اعتلائه العرش سنة 1999، ظل الملك محمد السادس يُمارس مهامه الدستورية بتوجيهات سامية، تُترجم إلى سياسات عمومية وبرامج تنموية ملموسة، في مجالات حيوية كالماء، الاستثمار، الحماية الاجتماعية، والطاقة.
وعلى خلاف ما ورد في مقال جريدة “لوموند”، فإن المرض لم يكن يومًا موضوعًا محظورًا في المغرب. بل إن الديوان الملكي اعتاد إصدار بلاغات رسمية تُطلع المواطنين على الحالة الصحية لجلالة الملك، في تعبير واضح عن الشفافية والمسؤولية. وقد تفاعل الشعب المغربي مع هذه البلاغات بالدعاء والتضامن، حبًا وتقديرًا لملك حداثي مجدد، يُمارس السلطة بروح إنسانية شفافة، ويُقرّب المؤسسة الملكية من المواطن.
هذا السلوك يُبرز الفرق الجوهري بين النموذج المغربي وبعض النماذج الرئاسية الأوروبية، حيث يُمارس التكتم على الحالة الصحية للرؤساء، ولا يُكشف عنها إلا بعد فضائح إعلامية أو تسريبات صحفية. فهل يُعقل أن تُقارن ملكية شفافة بمؤسسات تُخفي الحقيقة عن شعوبها؟ وهل من الإنصاف أن تُسقط الصحافة الغربية مفاهيمها على واقع مغربي له خصوصياته التاريخية والدستورية؟
الملك محمد السادس، رغم بعض الوعكات الصحية العابرة، ظل حاضراً في كل المحطات المفصلية، من افتتاح البرلمان إلى ترؤس المجالس الوزارية، ومن استقبال قادة العالم إلى إطلاق مشاريع تنموية كبرى. ظهوره العفوي، وهو يستند إلى عصاه أو يجلس على كرسي، لم يكن ضعفًا، بل تعبيرًا عن الصدق والشفافية، وعن قائد يُمارس مهامه رغم التحديات، في انسجام تام مع روح البيعة التي تربطه بشعبه.
إن ما يُميز النموذج المغربي هو هذا التوازن بين الشرعية التاريخية والدستورية، وبين الفعل السياسي والمؤسساتي. فالمغرب لا يُدار بمنطق الأشخاص، بل بمنطق المؤسسات، والملك يُجسد رأس هذه المؤسسات، ويوجهها وفق رؤية استراتيجية تُراكم الإنجازات وتُحصن الاستقرار. والمؤسسات الدستورية، من حكومة وبرلمان ومجالس استشارية، تمارس مهامها بشكل منتظم، في ظل توجيه ملكي يُؤمن التنسيق والتكامل.
والأهم من ذلك، أن الخطابات الملكية نفسها لا تكتفي بالإشادة بالمنجزات، بل تُقرّ بالإخفاقات وتُوجه نحو الإصلاح، مما يُعزز فكرة أن الملكية المغربية ليست فوق النقد، بل تُمارس الحكم بمسؤولية ومحاسبة ذاتية.
البيعة في المغرب ليست مجرد طقس رمزي، بل هي تعاقد حي يُجدد في كل مناسبة وطنية، ويُترجم في الالتفاف الشعبي حول الملك، خاصة في الأزمات الكبرى، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19، أو زلزال الحوز، حيث كان الملك أول من بادر إلى اتخاذ قرارات حاسمة، وترؤس اجتماعات استراتيجية، وتوجيه مؤسسات الدولة نحو التدخل الفوري والفعال. كما أن الصحافة الوطنية نفسها تناولت الحالة الصحية للملك في مناسبات متعددة، مما يُفنّد فكرة التعتيم ويُظهر أن الإعلام الوطني يُواكب المؤسسة الملكية بوعي ومسؤولية.
وفي ضوء كل هذه الحقائق، يحق لنا أن نسأل:
– لماذا تُصر بعض الصحف الغربية على تجاهل الخصوصية المغربية في الحكم؟
– هل أصبح المرض معيارًا لتقييم القيادة بدلًا من الإنجاز؟
– وهل يُمكن لصحافة تدّعي المهنية أن تُعيد نشر مضامين قديمة دون تحقيق أو تدقيق؟
– ثم، لماذا لا تُسلط هذه الصحافة الضوء على قدرة الملك على الجمع بين الإنسانية والقيادة، بين الشفافية والفعالية؟
– وهل تجرؤ هذه الصحافة على تطبيق نفس معايير التحليل على أنظمتها السياسية؟
المغرب اليوم، بقيادة الملك محمد السادس، لا يعيش نهاية مرحلة كما توحي بذلك بعض التحليلات، بل يُراكم منجزات في ظل استقرار سياسي، وتلاحم اجتماعي، ورؤية تنموية واضحة. وما يُنجز على الأرض، من إصلاحات ومشاريع واستراتيجيات، هو الرد الحقيقي على كل تأويلات سطحية لا تُراعي عمق العلاقة بين الملك والشعب، ولا تُنصف واقع المؤسسات التي تشتغل بكفاءة وانتظام.