
الصحراء … الإعلام الجهوي قاطرة التنمية بحاجة لشراكة حقيقية
بقلم:ذ. إبراهيم أبهوش|
التفاتة مهمة تُحسب لجهة العيون الساقية الحمراء حين فكرت أخيرًا في برمجة تنزيل مالي للتسويق الترابي، من خلال مبلغ مالي رغم هزالته في إطار اتفاقية شراكة للتسويق الترابي. وخيرًا فعلت أيضًا لجنة الاستثمار والشراكات بالجهة حين رفضت هذه الاتفاقية التي فُصّلت على المقاس لمؤسسة إعلامية خارج الجهة، مستحضرة أولوية الصحافة الجهوية والمحلية باعتبارها الفاعل الأقرب إلى نبض الساكنة والأقدر على نقل صورة الجهة ومجهوداتها في تدبير الشأن العام دون غيرها. ومادام الشيء بالشيء يُذكر، فإن واقع الحال هو أن هذا الرفض رفع الحرج، بينما كان يفترض تنزيل هذه الشراكات الإعلامية محليًا وجهويًا منذ سنوات.
إن طرح تساؤلات الشراكات والتسويق الترابي بجهات الصحراء الثلاث مع الصحافة والإعلام بالصحراء ظل غائبًا بشكل مطلق، اعتبارًا للمنطق الرائج الذي يرى أن الإعلام والصحافة بالصحراء مناضلون في حضورهم الوطني ولا يحتاجون إلى أي شراكات أو اتفاقيات. والحقيقة أن الصحافة تعففت لسنوات في معظم المنشآت الصحفية بالصحراء عن طلب المقابل في الدفاع عن القضايا الوطنية، واختارت المهمة المهنية النضالية في سبيل القضية الوطنية منهجًا، علّها تلقى التفاتة من المسؤولين تجاه الأوضاع الاجتماعية والمهنية لهؤلاء المناضلين والمناضلات من العاملين في هذه المؤسسات الصحفية، لكن لا حياة لمن تنادي.
وإذا كانت اتفاقيات الشراكة تُوزّع يمينًا وشمالًا دون اكتراث بهذا الجسم الصحفي والإعلامي لعقود، فإنه آن الأوان للمطالبة بالحقوق المشروعة. فكيف يمكن الحديث عن التسويق الترابي بينما يتم إقصاء الإعلام المحلي والجهوي الذي يشكل القاعدة الأساسية لهذا التسويق؟ وهل يُعقل أن تُصرف اعتمادات مالية خارج الجهة في وقت تعيش فيه المقاولات الإعلامية المحلية وضعًا هشًا يهدد استمراريتها وضمان أجور العاملين بها؟
وإذا كانت أخلاقيات المهنة تلزم الصحفي بعدم تلقي المقابل المالي عمّا ينشر حتى لا يخرج عن استقلاليته وموضوعيته، فإن هذا لا يعني أن الصحافة تعيش خارج منطق المؤسسات أو خارج إطار الشراكات. بل إن الصحافة والإعلام، في جوهرهما، يحتاجان إلى اتفاقيات إطار للشراكة مع المؤسسات العمومية والمنتخبة، شراكات تقوم على قواعد منهجية وأخلاقية واضحة، تحترم المهنة وتنتصر لقيمها، وتضمن أن الصحفي يظل وفيًا لضميره المهني، وفي الوقت نفسه يتمكن من تطوير قدراته المهنية والتكوينية، وخلق فرص عمل جديدة، والاستثمار في العنصر البشري المحلي.
فالصحفي لا يكتب تحت الطلب، ولا يلمّع صورة المسؤول، وإنما ينقل الحقيقة بموضوعية، ويثمن المجهودات التي تُبذل في خدمة الصالح العام، تشجيعًا للمسؤول على بذل المزيد من الجهد. وهنا يصبح الحق في الحصول على المعلومة واجبًا على الإدارة قبل أن يطلبها الصحفي، لأن المعلومة الصحيحة تمنع الوقوع في نشر الأخبار الكاذبة والزائفة، وتضمن أن الصحافة تؤدي دورها في تنوير الرأي العام.
وهذا ما نسعى إليه جميعًا، حتى يكون همّ الجميع خدمة الصالح العام واحترام أخلاقيات المهنة وترك مسافة فاصلة بين الصحافة والإعلام من جهة والمنتخبين من جهة أخرى. فالمنتخبون يمثلون صوت الساكنة، بينما الصحافة تمثل صوت ونبض هذا المجتمع الذي انتخبهم، وهذا يعني أن واجب الصحافة والإعلام هو عمل تكاملي مشترك مع المنتخبين من منطلق خدمة المجتمع لا من منطلق التبعية أو التلميع.
وحتى لا يُفهم رأينا في غير موضعه، فإن واجبنا المهني سيظل حاضرًا والدفاع عن مهنتنا قائمًا، ولا نحمل حقدًا لأحد، وإنما نمارس دورنا في إطار الضمير المهني والواجب الوطني وحق المجتمع في الأخبار. وإضعاف قدرة الإعلام المحلي على مواجهة سرديات الخصوم خطر حقيقي، كما أن القيام بالواجب المهني ليس تحاملاً كما يريد أن يروج له البعض كلما وقع عدم رضى عما يُنشر.
إن خطورة عدم الأخذ بهذا الرأي تكمن في استمرار تهميش الإعلام المحلي، وتفاقم هشاشته المالية، وإضعاف قدرته على مواجهة الأطروحات الانفصالية وسرديات الخصوم، خاصة ونحن أمام تحديات تنزيل مشروع دولة في أبعاده الوطنية والدولية، مما ينعكس سلبًا على صورة الجهة وعلى وحدة الوطن. لذلك فإن الحل البديل واضح: صياغة اتفاقيات إطار للشراكة مع الإعلام الجهوي، بشكل مباشر وشفاف، تُمكّنه من تطوير قدراته المهنية والتكوينية، وخلق مناصب شغل جديدة، والاستثمار في العنصر البشري المحلي العامل في الصحافة والإعلام.
فهل أنتم، بصفتكم مسؤولين، مستعدون للانتقال من منطق التجاهل والتهميش إلى منطق الشراكات الحقيقية، ومن منطق التلميع إلى منطق الشفافية، ومن منطق الإقصاء إلى منطق تكامل الأدوار خدمةً للصالح العام؟ بلا شك إن وضع الهشاشة الإعلامية بجهة من حجم العيون الساقية الحمراء لن يرضيكم، والتحديات الحالية والمستقبلية أكبر من أن تُواجه بهذا التجاهل. فلا تنمية حقيقية بدون اعلام محلي وجهوي قوي… نأمل ذلك صادقين.


