بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش |
لم تخلُ جلسات الشاي في بيوت الصحراويين، ولا نقاشات المقاهي الممتدة من “كحل أركان إلى كحل أدرار”، من حديث متواصل حول ما راج بين رئيس جهة العيون الساقية الحمراء والصحفي المحاور. القضية لم تعد مجرد تصريح سياسي عابر، بل تحولت إلى مادة للنقاش الشعبي، يتداولها الناس بلهجاتهم المختلفة، ويقيسون من خلالها عمق الانتماء للوطن ووحدة التراب، وحق الاختلاف، وواجب إقناع الطرف الآخر بقبول الاندماج في إطار الوحدة على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”.
وإذا كان تصريح رئيس الجهة سيدي حمدي ولد الرشيد، الرافض لإدماج جهة كلميم وادنون في مشروع الحكم الذاتي، قد أثار جدلاً واسعاً لأنه بدا وكأنه يقصي جزءاً من الوطن من ورش وطني جامع، فإن هذا التصريح لا يمكن تجاوزه، لأنه يضعنا أمام سؤال حارق: هل يمكن لمشروع يحظى باعتراف دولي بواقعيته وقابليته للتنزيل بموجب القرار الأممي رقم 2797 أن يُختزل في رؤية جهوية ضيقة (جهة العيون الساقية الحمراء وجهة الداخلة وادي الذهب)؟
في المقابل، هناك رأي آخر يرى أن إدماج جهة كلميم وادنون هو الصواب، لاعتبارات تاريخية ودموية ولغوية وعرقية ودينية ووحدوية، تجعلها امتداداً طبيعياً للصحراء المغربية وجزءاً أصيلاً من مشروع الحكم الذاتي في أبعاده الإنسانية والتنموية والوحدوية. ومنه، فهل يمكن أن نتحدث عن وحدة ترابية دون أن تشمل كل المكونات التي صنعت تاريخ المقاومة والتحرير، من عاصمة أيت باعمران “سيدي إفني” خلال الحقبة الاستعمارية، إلى المحبس؟
الجواب ببساطة هو أن قوة المشروع المغربي تكمن في شموليته، فهو لا يقوم على فرز قبلي أو إثني، بل على تصور سياسي وتنموي شامل يضمن مشاركة جميع المكونات في تدبير شؤونها المحلية تحت السيادة المغربية الكاملة. هذا التصور يجد نفسه في محاججة إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، بعد اللقاء الذي جمعه بالأحزاب السياسية الوطنية الممثلة في البرلمان مع مستشاري الملك ووزيري الخارجية والداخلية، حيث وضع النقاش في إطاره الصحيح حين شدد على أن الحكم الذاتي لن يجد مكانه إلا في الدستور والإجماع الوطني الوحدوي. وهذا يفتح سؤالاً أساسياً: لماذا لم يُدمج المشروع بعد في نص دستوري صريح يقطع الطريق أمام أي تأويل ضيق؟
الجواب أيضاً يجد مكانه في كون أن الحكم الذاتي ليس مجرد حل سياسي لنزاع مفتعل، بل ورش اجتماعي واقتصادي وتنموي يهدف إلى تحسين ظروف عيش الساكنة المحلية والعائدة إلى أرض الوطن الغفور الرحيم، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية في الأقاليم الجنوبية.
لذلك فإن التنمية المندمجة هي الوجه الآخر للوحدة الترابية، إذ تمنح المواطن إحساساً ملموساً بالانتماء والمشاركة. فهل نُبرز بما يكفي أن المشروع يعني مدارس ومستشفيات وفرص عمل حقيقية ومستوى عيش كريم، وأمناً وأماناً، لا مجرد شعارات دبلوماسية؟
وهنا يبرز دور الإعلام والصحافة بالصحراء: هل يقوم الإعلام الجهوي والوطني بدوره في تأطير النقاش العمومي وتحصين الإجماع الوطني، أم يكتفي بتضخيم التصريحات الفردية؟ الإعلام مطالب بأن يكون صوت الوحدة، وأن يُظهر أن الحكم الذاتي مشروع حياة يومية يلمسه المواطن في تفاصيل معيشه.
إن جلالة الملك محمد السادس هو الضامن للوحدة الوطنية، وهو الذي يضع التربية السياسية تحت سيادة الشعب. لذلك يبقى الحق في الرأي والاختلاف مكفولاً، سواء كان رأي رئيس الجهة أو الرأي المخالف له. لكن الواجب الوطني يفرض أن يتحول هذا الاختلاف إلى نقاش مسؤول حول نماذج الحكم الذاتي القابلة للتنزيل دستورياً وتنموياً.
أعتقد أنه لا يمكن لوم رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، الناجح في تدبير شؤون جهة أصبحت مضرب المثل من حيث التدبير الجهوي، عن وجهة نظره، كما لا يمكن إنكار قوة طرح أبناء جهة كلميم وادنون في دفاعهم عن انتمائهم الطبيعي للمشروع الوطني الجامع. فالرأي حق، والاختلاف مشروع، لكن ما يجب أن يبقى ثابتاً هو أن الحكم الذاتي ليس مجالاً للتجاذب الفردي، بل خيار دولة ومشروع ملكي دستوري تحت سيادة الشعب وضمانة الملك.
إن النقاش الذي أثاره هذا التصريح يجب أن يُقرأ كاستشراف مستقبلي لفرصة تجديد الإجماع الوطني، لا كشرخ داخلي، لأن الوحدة الترابية للمملكة لا تقبل التجزئة، والحكم الذاتي ليس مجرد حل سياسي بل ورش اجتماعي واقتصادي وتنموي يهدف إلى تحسين ظروف العيش وتعزيز الاستقرار والتنمية الشاملة في امتدادها الوطني والإقليمي والإفريقي. ومنه، فإن الطريق الأمثل هو فتح نقاش وطني مسؤول حول نماذج الحكم الذاتي القابلة للتنزيل، بما يحافظ على وحدة الوطن ويكرس الإجماع الشعبي والدستوري، ويجعل من الاختلاف قوة اقتراحية لا مصدر انقسام.
دمتم سالمين.


