الهجرة وحقوق الإنسان بالمغرب

الهجرة وحقوق الإنسان بالمغرب

حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

قراءة في محاولات العبور الجماعي من الفنيدق إلى سبتة

بقلم: الاستاذ عبد الحكيم ابو شهاب- المحامي لدى محاكم الإستئناف بأكادير و كلميم و العيون|

شهدت مدينة الفنيدق شمال المغرب، صباح الخميس 30 يوليوز 2026، مشاهد دراماتيكية لمحاولة هجرة جماعية غير مسبوقة نحو مدينة سبتة المحتلة. لم تكن هذه الأحداث مجرد محاولة عبور حدودي عابرة، بل فتحت ملفاً واسعاً حول علاقة الهجرة بحقوق الإنسان في المغرب، متداخلة فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية. فما الذي تكشفه هذه المحاولات عن واقع حقوق الإنسان في البلاد؟

أولا: المشهد الميداني – بين اليأس الإنساني والرد الأمني

تشير المعطيات الميدانية إلى أن آلاف الشباب، معظمهم من المغاربة، تدفقوا على مدينة الفنيدق استجابة لدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تنوعت وسائل العبور بين السباحة مستخدمين عوامات وإطارات مطاطية، وتسلق السياج الحدودي، واقتحام بوابات معبر تراخال. قدرت مصادر إسبانية عدد العابرين بما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص خلال ساعات الذروة، فيما تم العثور على تسع جثث في سبتة، ليرتفع بذلك عدد ضحايا محاولات العبور إلى نحو 60 مهاجراً خلال الأشهر الأخيرة.

في المقابل، استخدمت السلطات المغربية مدافع المياه لمحاولة ردع العابرين، في مشهد يطرح تساؤلات حول موازنة الدولة بين واجبها في ضبط الحدود والتزاماتها بحماية حقوق الإنسان.

ثانيا: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية – جذور الأزمة

يرى مراقبون أن محاولات الهجرة الجماعية “صرخة تسائل نموذج الدولة الاجتماعية في المغرب”. فقد أكدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن الدافع الوحيد للمشاركين في الهجرة الجماعية هو “البحث عن الحق في العيش الكريم وفرص شغل تحفظ الكرامة الإنسانية، مما يؤكد فشل جميع السياسات العمومية التي كانت تروج لإدماج الشباب وتوفير العمل اللائق”.

ويكشف المشهد حقائق صادمة: وجود المئات من القاصرين غير المرافقين، بعضهم في أعمار صغيرة جداً، وهو “عنوان بارز لفشل المنظومة التربوية واستفحال ظاهرة الهدر المدرسي وغياب تكافؤ الفرص”. كما يشير رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان إلى أن “أغلب الشباب والقاصرين المقبلين على الهجرة يوجدون خارج المدرسة، الجامعة، أو التكوين المهني، يفتقرون إلى أي كفايات أو مؤهلات… وينحدرون من أسرة فقيرة وهشة”. ويضيف أن “جل هؤلاء الشباب فاقدون للأمل في الوطن والمستقبل”.

وتؤكد التقارير الرسمية المخيفة وجود زهاء مليون ونصف مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة لا يدرسون ولا يعملون. هذا الواقع يجعل من الهجرة، رغم مخاطرها المميتة، خياراً يبدو للكثيرين السبيل الوحيد نحو حياة كريمة.

ثالثا: البعد السياسي والقانوني – حدود الدولة وحقوق الإنسان

تقف محاولات الهجرة هذه عند تقاطع حساس بين سيادة الدولة والتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان. المغرب، الذي انتقل من دولة عبور إلى دولة استقرار للمهاجرين، تبنى استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء منذ عام 2013، انطلاقاً من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول “الأجانب وحقوق الإنسان بالمغرب”. وقد مكنت هذه الاستراتيجية من تسوية الوضعية القانونية لآلاف المهاجرين وتعزيز ولوجهم إلى الخدمات الصحية والتعليمية وبرامج التكوين المهني.

غير أن الأحداث تكشف عن فجوة بين الطموح الحقوقي للاستراتيجية وواقع التدبير الميداني. فقد اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن “المقاربة الأمنية في معالجة قضايا الهجرة لم تحل أبداً دون تكرار المحاولات اليومية… وكثرة الضحايا والغرقى”.

من جهة أخرى، أثار القرار الإسباني الأخير القاضي بمنع الترحيل الفوري للمهاجرين الواصلين بحراً إلى سبتة ومليلية جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً. فقد اعتبر البعض أن هذا القرار شكّل “ثغرة قانونية” حفزت على التدفق الجماعي، فيما رأى آخرون أنه يعكس التزاماً أوروبياً متزايداً بحماية حقوق المهاجرين، ولو بشكل غير متناسق.

رابعا: البعد الحقوقي – بين الحماية والتجريم

تطرح قضية الهجرة في المغرب إشكالية جوهرية: هل يجري التعامل مع المهاجرين كأشخاص يتمتعون بحقوق إنسانية، أم كمجرد “مشكلة أمنية” تستوجب الردع؟ تدعو المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى “إلغاء تجريم الهجرة غير النظامية والإقامة غير الشرعية، وإنشاء آليات للدعم القانوني والطبي والنفسي”. كما تطالب مذكرة ترافعية حديثة بـ”ملاءمة القوانين الوطنية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، وتعزيز الحماية لفئات القاصرين”.

ويشدد النشطاء على أن المهاجرين، بغض النظر عن أوضاعهم الإدارية، يستحقون الحماية والضمانات المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما يدعون إلى “إعادة بناء الخطاب الإعلامي العمومي والرقمي حول الهجرة، عبر إنتاج محتوى يبرز المساهمات الإيجابية للمهاجرين في التنمية المحلية”.

غير أن الواقع الميداني يكشف استمرار الممارسات الأمنية المشددة، والاعتقالات، وعمليات الترحيل “بدون أي تأطير قانوني”، مما يعكس استمرار التوتر بين المقاربة الحقوقية والمقاربة الأمنية في تدبير ملف الهجرة.

خاتمة

الهجرة الجماعية من الفنيدق إلى سبتة ليست مجرد محاولات فردية للعبور، بل مرآة تعكس أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، وتكشف عن تحديات كبيرة تواجه السياسات العمومية في المغرب. إن معالجة هذه الظاهرة بشكل جذري تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز البعد الأمني، لتشمل:

· تحسين الظروف المعيشية للشباب من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة توفر فرص العمل والتعليم والتكوين.
· تفعيل الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء بشكل يضمن احترام حقوق الإنسان لجميع المهاجرين، مغاربة وأجانب.
· مراجعة الإطار القانوني لتجريم الهجرة غير النظامية، تماشياً مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
· تعزيز التنسيق المؤسساتي بين القطاعات المعنية بملف الهجرة، كما دعت إلى ذلك المذكرة الترافعية الصادرة عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

في النهاية، تظل كرامة الإنسان هي الأساس الذي يجب أن تقوم عليه أي سياسة هجرة. فالمهاجر، سواء كان مغربياً يبحث عن مستقبل في أوروبا، أو أفريقياً ينشد الأمان في المغرب، هو إنسان قبل كل شيء، يستحق أن تُصان كرامته وتُحمى حقوقه.