عندما يتحول الحضور إلى مجرد مجاملة شكلية…

عندما يتحول الحضور إلى مجرد مجاملة شكلية…

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة
الحك مايفكع … كتب : إبراهيم أبهوش|
يشكو كثير من الناس من افتقار البعض إلى الذوق في التعامل، خصوصًا أولئك الذين كانوا يومًا ما أصحاب مكانة خاصة في القلوب والعقول الراقية… 
في اعتقادنا ليست الاستجابة لدعوةٍ ما إلا احترامًا لمن وجّهها، وهي بلا شك من أسمى صور التعامل الإنساني، إذ تعكس النبل الأخلاقي وحسن النية، لكنه في ايامنا هذه ، وفي عالم العلاقات الاجتماعية، حيث استشرى الفساد فأفسد الكثير، لم تعد كل دعوة تُقدَّم بدافع الصدق والودّ، بل باتت أداةً لإكمال مشهد اجتماعي معدٍّ مسبقًا، حيث يصبح الحضور مجرد عنصر تكميلي لا يحمل قيمة حقيقية، بل مجرد، طمع في اكرامية او تاثيت مشهد “كومبارس”.  
الحقيقة الجلية هي أن المضيف الذي يوزّع الدعوات بلا اكتراث لا يمارس كرمًا حقيقيًا، بل يتقمّص دور المثالية الاجتماعية الزائفة. فهو لا يدرك أن الضيافة ليست مجرد إجراءٍ شكلي، بل مسؤولية أخلاقية تتطلب التقدير الحقيقي للضيف. وعندما يكتمل عدد الحضور، ينشغل المضيف بملء الفراغات، غير آبهٍ بمن حضر أو غاب، وكأن الضيوف ليسوا سوى زينة تُضفي طابعًا اجتماعيًا على محيطه. وعندما يتساءل أحدهم عن سبب التجاهل، يأتي الرد في صيغةٍ تُبرّر الهروب من اللوم: “أسلوبك مستفز، أنت مزعج”، وكأن اختبار الصبر بات جزءًا من بروتوكول الضيافة.  
لكن الضيف الذكي لا يقع في فخ الجدل العقيم؛ فهو يسجل حضوره بروتوكوليًا، يُلقي التحية بأسلوب رسمي، يترك أثرًا واضحًا، ثم يغادر بهدوء، وكأنه يقول ضمنيًا: “قدّمت لك الحضور الذي تسعى إليه، أما أنا فقد حافظت على كرامتي”. وهذا الانسحاب ليس ضعفًا، بل موقفٌ واعٍ يُجسّد احترام الذات وفهمًا عميقًا لمعنى الاحترام المتبادل.  
وهنا تكمن نقطة جوهرية لا ينبغي إغفالها: الذكاء الاجتماعي لا يقتصر على القدرة على الاستيعاب، بل يتجلّى في احترام عقول الناس ومشاعرهم وكرامتهم. فالاستخفاف بالضيف، لا سيما إن كان حليمًا وهادئًا، قد يقود إلى عواقب غير محمودة. فالصبر، وإن كان فضيلة، ليس بلا حدود، وعندما تُهان كرامة الإنسان، تتغير قواعد التعامل ويُعاد ترتيب المشهد وفق أسس أكثر صرامة.  
إن الدعوة ليست مجرد إجراء شكلي، بل مسؤولية أخلاقية تستلزم تقديرًا حقيقيًا للضيف، لا مجرد التعامل معه كعنصر تكميلي في مشهدٍ اجتماعيٍّ مصطنع. ومن يظن أن الآخرين سيرضون بلعب دور “الكومبارس”، سيُدرك عاجلًا أم آجلًا أن الزمن لم يعد يسمح بهذه الحيل الرخيصة…
في نهاية المطاف، ليست كل دعوة تستحق الاستجابة، وليست كل مناسبة تُلزم بالمجاملة. فالأشخاص الأذكياء يدركون متى يكون الحضور ضرورة، ومتى يكون الانسحاب هو الرسالة الأكثر تأثيرًا، حتى لو تظاهر المضيف بغير ذلك. فالاحترام الحقيقي يظهر في التفاصيل، والضيف الحكيم يعرف متى يكون جزءًا من المشهد، ومتى يترك أثرًا يُدركه الآخرون لاحقًا، حين يفوت الأوان.  
دام لنا ولكم الأصدقاء الذين هم أصيلون في معادنهم، نُبلاء في تعاملهم، كِرامٌ في عطائهم، يعترفون بأخطائهم، ويُقدّرون من أحسن إليهم. أما الآخرون، فالزمن كفيل بكشف زيفهم، وخبث نواياهم، وأحقادهم…