طانطان.. الثقافة الحسانية من الذاكرة الأنثروبولوجية إلى رافعة لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة

طانطان.. الثقافة الحسانية من الذاكرة الأنثروبولوجية إلى رافعة لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة

طانطان.. الثقافة الحسانية من الذاكرة الأنثروبولوجية إلى رافعة لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة

+ حجم الخط -

المجهر 24/ عبداللطيف بيه|

في سياق إبراز العمق الثقافي والأنثروبولوجي للثقافة الحسانية، وإستكشاف إمتداداتها الحقوقية والإجتماعية وآفاق توظيف رصيدها التراثي في تحقيق التنمية المستدامة، إحتضنت مدينة طانطان، يوم أمس الأحد فاتح نونبر 2026، ندوة فكرية تحت عنوان «الثقافة الحسانية وحقوق الإنسان: من الأصالة إلى العالمية»، نظمها المركز المغربي لحقوق الإنسان، فرع طانطان، في إطار فعاليات الدورة التاسعة عشرة من موسم طانطان «أموكار»، وبدعم من مؤسسة الموكار، وذلك بمقر النيابة الإقليمية للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

وشكل اللقاء مناسبة لتسليط الضوء على الثقافة الحسانية بإعتبارها منظومة متكاملة من القيم والرموز والممارسات الإجتماعية والتعبيرات الشفهية، وذاكرة جماعية تختزن تاريخ المجتمع الصحراوي وتحولاته وأنماط عيشه، فضلاً عن كونها رافداً أساسياً لترسيخ الهوية الثقافية وصون التنوع، ورافعة محتملة لتعزيز حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المحلية المستدامة.

وإستهلت أشغال الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم بصوت السيد محمد بوبريك، أعقبها أداء النشيد الوطني، قبل أن يلقي الكاتب الإقليمي للمركز المغربي لحقوق الإنسان، فرع طانطان، السيد أمين زهار، كلمة افتتاحية رحب فيها بالحضور ومهد لمحاور اللقاء وأهدافه الفكرية والثقافية.

وفي مقاربة متعددة الأبعاد، توزعت أشغال الندوة على أربع مداخلات علمية وفكرية، إنطلقت من إستجلاء الخصوصية الثقافية والأنثروبولوجية للتراث الحساني، مروراً بتأصيل علاقته بالمرجعيات الحقوقية والقانونية، وإستكشاف أبعاده الإجتماعية والتنموية، وصولاً إلى مساءلة إمكانات تثمين التراث الثقافي اللامادي وإستثماره في تحقيق تنمية مستدامة، مع إتخاذ موسم طانطان نموذجاً للدراسة والمقارنة.

وفي هذا الإطار ، إستأثر البعد الثقافي و الأنثروبولوجي بحيز أساسي من النقاش، من خلال المداخلة التي قدمها الأستاذ لديغبي عبد المالك، تحت عنوان «التراث الحساني اللامادي كذاكرة جماعية»، حيث أبرز أن الثقافة الحسانية ليست مجرد موروث من العادات والتقاليد، بل هي تعبير عن تراكم تاريخي واجتماعي أسهم في تشكيل الهوية المحلية وصياغة خصوصية المجتمع الصحراوي.

وتوقف المتدخل عند عدد من المكونات الدالة على هذا الغنى الثقافي، وفي مقدمتها الخيمة بإعتبارها رمزاً للفضاء الإجتماعي الصحراوي ونمط العيش المرتبط بالترحال والتكيف مع المجال، إلى جانب الثقافة الشفهية التي تضطلع بدور محوري في حفظ الذاكرة الجماعية ونقل التجارب والقيم بين الأجيال.

كما إستحضر مكانة الشعر الحساني واللسان المحلي والألعاب الشعبية والطقوس الإجتماعية، ولا سيما طقوس الشاي والزواج، بإعتبارها تعبيرات حية عن منظومة ثقافية متجذرة.

ولم يغفل العرض التحديات التي تواجه إستمرارية هذا الموروث، مؤكداً ضرورة تكثيف جهود التوثيق والصون والتثمين، وتعزيز آليات نقله إلى الأجيال الصاعدة، حتى لا تتحول التحولات الإجتماعية والثقافية إلى عامل يهدد بعض مظاهره وتعبيراته الأصيلة.

ومن المنظور الحقوقي والقانوني، تناول الأستاذ عبداتي أبلاغ، في مداخلته المعنونة بـ«العلاقة بين الثقافة الحسانية ومبادئ حقوق الإنسان»، موقع التراث الثقافي ضمن المنظومة الحقوقية، بإعتباره مكوناً من مكونات الكرامة الإنسانية والحق في الهوية الثقافية وصون الذاكرة الجماعية.

وإستند المتدخل إلى المرجعيات الدولية، ولا سيما الاتفاقيات الصادرة عن منظمة اليونسكو، والمقتضيات الدستورية المغربية لسنة 2011 المتعلقة بالتعدد والتنوع الثقافي، مبرزاً أهمية توفير الحماية القانونية والمؤسساتية للتراث الحساني، وتعزيز حضوره في السياسات العمومية والبرامج التنموية.

كما أكد أن صيانة الموروث الثقافي لا تنفصل عن ترسيخ قيم المواطنة والحرية والعدالة، داعياً إلى تطوير آليات حماية التراث، ونشر الثقافة الحقوقية، وإدماج البعد الثقافي ضمن التصورات والسياسات الرامية إلى تحقيق التنمية.

وعلى المستوى الإجتماعي والتنموي، سلط الأستاذ عيسى بوزرود، من خلال مداخلته «مساهمة الثقافة الحسانية في التنمية المحلية»، الضوء على الإمكانات التي يتيحها الرصيد الثقافي الحساني في تعزيز الدينامية الإقتصادية والإجتماعية للمجال المحلي.

وإستحضر المتدخل أهمية المقاربات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية في فهم المجتمع الحساني وتحولاته، مشيراً إلى عدد من الأعمال البحثية، من بينها دراسات الدكتور رحال بوبريك، بإعتبارها مراجع علمية تسهم في توثيق البنيات الإجتماعية والثقافية وتحليل خصوصياتها.

كما أثار إشكالية الإنتقال من الإعتراف بقيمة التراث إلى تثمينه وإستثماره في مشاريع تنموية ملموسة، داعياً إلى تشجيع المبادرات الثقافية والسياحية والإقتصادية التي تجعل من الثقافة الحسانية مورداً للتنمية المحلية، دون المساس بأصالتها أو اختزال مكوناتها في بعدها التجاري والفرجوي.

وفي إمتداد لهذا النقاش، قدم الدكتور السلامة مبيرة المداخلة الرابعة والأخيرة بعنوان «دور التراث الثقافي اللامادي في تحقيق التنمية المستدامة: نماذج مقارنة مع التركيز على موسم طانطان»، حيث تناول الثقافة بإعتبارها رأسمالاً رمزياً وإجتماعيًا وإقتصادياً، قادراً على خلق فرص جديدة للتنمية وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، متى جرى تثمينه وفق مقاربة تحترم خصوصياته وتضمن إستدامته.

وإستعراض المتدخل تجارب دولية ووطنية في مجال تثمين التراث، من بينها التجربة اليابانية، وفن الفلامنكو بإسبانيا، وساحة جامع الفنا بمراكش، مبرزاً كيف يمكن للتعبيرات الثقافية التقليدية أن تتحول إلى عناصر فاعلة في التنمية السياحية والإقتصادية، مع الحفاظ على إمتداداتها التاريخية والإجتماعية.

كما خصص حيزاً مهماً لموسم طانطان «أموكار»، باعتباره فضاءً حياً لاستحضار الثقافة الحسانية وإبراز تنوع تعبيراتها التراثية، وفرصة لتعزيز إشعاع المنطقة ثقافياً وسياحياً مشدد في هذا السياق على أهمية تطوير الموسم وتوسيع أثره التنموي، من خلال إعتماد آليات مستدامة لتثمين التراث اللامادي، وتحقيق التوازن بين متطلبات المحافظة على الأصالة وإمكانات الإستثمار الثقافي والإقتصادي.

وقد أفضت المداخلات الأربع إلى إبراز تقاطع الأبعاد الأنثروبولوجية والحقوقية والإجتماعية والإقتصادية للثقافة الحسانية، بإعتبارها رصيداً حضارياً يتجاوز حدود التعبير عن الهوية إلى الإسهام في ترسيخ حقوق الإنسان، وتعزيز التماسك الإجتماعي، وفتح آفاق جديدة أمام التنمية المحلية المستدامة.

كما خلص النقاش إلى التأكيد على ضرورة إرساء رؤية متكاملة لصون هذا الموروث، تقوم على تشجيع البحث العلمي والدراسات الميدانية، وتكثيف عمليات التوثيق والأرشفة، وتعزيز الحماية القانونية والمؤسساتية، فضلاً عن إدماج الثقافة الحسانية في البرامج والسياسات العمومية، وتطوير المبادرات السياحية والثقافية القادرة على ضمان إستمراريتها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

وإختتمت الندوة بتوزيع الشواهد التقديرية على المؤطرين والمشاركين، بإشراف مسير اللقاء الأستاذ حميد بن الشيخ، أعقبتها تلاوة برقية الولاء والإخلاص من طرف الكاتب الإقليمي للمركز، قبل تنظيم جلسة شاي على شرف المتدخلين والحاضرين.

وتؤكد هذه المبادرة أهمية جعل الثقافة الحسانية موضوعاً للنقاش العلمي والحقوقي والتنموي، ليس فقط بإعتبارها إرثاً يستوجب الحماية والمحافظة، وإنما أيضاً بإعتبارها رصيداً أنثروبولوجياً وحضارياً قادراً على الإسهام في بناء جسور التواصل بين الخصوصية المحلية والقيم الإنسانية الكونية، وتحويل الذاكرة الجماعية إلى طاقة متجددة للتنمية والإشعاع الثقافي بإقليم طانطان.