
إصدار مصحفي جديد: المصحف المحمدي مع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية
إصدار مصحفي جديد: المصحف المحمدي مع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية
المجهر24/رشيد ألحيان|
في خطوة تعكس عناية مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف بتنويع العرض المصحفي وبترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات المتداولة داخل المغرب وخارجه أصدرت المؤسسة المصحف المحمدي مع ترجمة معاني القرآن إلى اللغة الأمازيغية السوسية، وذلك برسم سنة 2026.
ويروم هذا العمل تقريب معاني كلام الله تعالى للمتحدثين باللغة الأمازيغية، المعروفة بتشلحيت، ومن أجل تحقيق هذه الغاية كُتِبت الترجمة بالحرف العربي وتم ضبط الكلمات بالحروف اللينة وفق القاعدة التي وضعها العلامة محمد المختار السوسي، مع الضبط بالحركات مما ييسر القراءة ويقرب الفهم، وحرصت اللجنة العلمية التي سهرت على الترجمة على أن تكون باللغة السوسية المتعارف عليها، والمأنوسة الاستعمال عند عموم الناس في المناطق التي تنتشر بها، وتجنب الألفاظ الغامضة والغريبة والمستحدثة.
وتعتبر ترجمة معاني القرآن والحديث النبوي والمتون الشرعية منهجا تعليميا درج عليه الأمازيغ منذ قرون؛ من أجل تبسيط معاني الآيات وتقريب آليات الفهم والاستنباط، وفي ذلك يقول العلامة محمد الحجوي الثعالبي: “وقد لقيت بعض الطّلبة الذين يعلّمون القرآن للبربر ببلادنا، فحكى لي أنهم يترجمون معناه أولا لمن يريد أن يحفظه، حتى إذا فهم معناه بقدر الإمكان عند ذلك يسهل عليه حفظه، وإلا فلا، قال: وهكذا هو عملهم منذ أزمان، وعليه وجدوا من قبلهم” (مجلة المغرب، العدد 13/ السنة 1933 ، ص 4).
وفي هذا السياق التاريخي والعلمي يندرج إصدار هذا المصحف الذي يكتنز إرثا علميا زاخرا، سعت المؤسسة إلى إخراجه في حلة جديدة ترقى إلى مستوى تطلعات أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس من وراء إحداث هذه المؤسسة التي تحمل اسمه الشريف.
وفيما يتعلق بالوصف المادي للمصحف فقد تم إخراجه في الحجم الجوامعي الكبير (25×35) ذو تجليد أبيض عاجي تتوسطه زخرفة مذهبة، ويقع في 1278 صفحة بالإضافة إلى الملاحق، وتتضمن الجهة اليمنى من كل صفحة النص القرآني بالخط المغربي المبسوط في 15 سطرا، وفي الجهة المقابلة يوجد نص الترجمة باللغة الأمازيغية، وأحيطت النصوص بإطار زخرفي مستطيل، وأما علامات التجزئة فوضعت في هامش الصفحة داخل زخرفة مستوحاة من الثقافة الأمازيغية، وكذلك الشأن بالنسبة لفواصل السور.
وفيما يتصل بالجانب العلمي للترجمة فقد عكفت لجنة علمية وازنة تتكون من ثلة فاضلة من علماء سوس على ترجمة معاني الآيات وفق ضوابط علمية وموضوعية، وجاء في التعريف الملحق بالمصحف أن الذي شجعهم على الإقدام على هذه المشروع أربعة أمور:
الأول: الصحوة القرآنية المباركة، التي عرفها المغرب في ظل القيادة الرشيدة والسياسة السديدة، لمولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة محمد السادس أعز الله أمره. وأدام نصره.
الثاني: أن القرآن الكريم ترجم إلى عدة لغات أجنبية، ولا يعقل ألا يترجم إلى اللغة الأمازيغية التي يتحدث بلهجاتها الثلاث عدد كبير من سكان المغرب.
الثالث: خلو الساحة – فيما نعلم – من ترجمة رصينة لمعاني القرآن إلى الأمازيغية، وهذا من شأنه أن يشجع من لا أهلية لهم، ويدفعهم إلى اقتحام هذا الحمى المقدس، فيسيئوا إلى القرآن الكريم وإلى الأمازيغ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فكان لزاما على ذوي الكفاءات العلمية والخلقية والدينية والوطنية، أن يسدوا هذه الثغرة، ويضعوا أمام الأمازيغ ترجمة سليمة للقرآن الكريم، تقرب إليهم معانيه، وتعينهم على اكتشاف بعض كنوزه وأسراره
الرابع: توصية الندوة العلمية الثانية التي نظمتها المجالس العلمية المحلية لجهة سوس ماسة درعة أيام 7-8-9 صفر 1434هـ 21-22-23 دجنبر (2012) بمدينة أكادير.
واقتضت طبيعة العمل أن يكون جماعيا، تفاديا لما قد يقع فيه المترجم الفرد من أخطاء وسهو وغفلة، ومن أجل ذلك تكونت لجان محلية تجتمع كل أسبوع لمواكبة أعمال الترجمة والتشاور والمراجعة المستمرة، وانطلق العمل باشتغال كل عضو من أعضاء اللجنة بما كلف به؛ وهو ربع حزب من كل أربعة أحزاب بأن يترجم معانيه إلى الامازيغية، ثم يعرضه في اجتماع اللجنة لمراجعته ومناقشته، وخضعت الترجمة لتحكيم علمي قبل أن تعتمد من قبل اللجنة، كما روجعت الترجمة في شكلها النهائي ثلاث مرات بعد تنسيقها من قبل مؤسسة محمد السادس للمصحف الشريف.

وتم الاقتصار على ترجمة معاني الآيات دون الدخول في التفاصيل الواردة في كتب التفسير، وهو مجال واسع لا يحيط به مجهود، واستعانت اللجنة بالتفاسير المشهورة مثل تفسير الجلالين وتفسير البيضاوي، وتفسير أبي السعود، وتفسير النسفي وتفسير ابن كثير، وغيرها من التفاسير المعتمدة عند العلماء، مع التقيد باختيارات المغاربة في الفقه المالكي والعقيدة الأشعرية، بالإضافة إلى الاستئناس بالترجمات والمؤلفات الأمازيغية السوسية، مثل الحوض وبحر الدموع لسيدي امحمد بن علي أكبيل أوزال، وترجمة المرشد المعين لسيدي التمساوتي، وشرح سيدي الحسن التاموديزتي للحوض، وأمثالها من الكتب والأشعار الكثيرة.

