جمهورية الوهم بين عزلة الجزائر وصعود النموذج المغربي

جمهورية الوهم بين عزلة الجزائر وصعود النموذج المغربي

حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

نفس جديد في التدبير… جهات الصحراء أمام مسؤولياتها

بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي

منذ أكثر من أربعة عقود تحاول الجزائر عبر كيانها الوهمي “البوليساريو” أن تفرض واقعاً موازياً على المجتمع الدولي، لكن الحقائق على الأرض والتحولات الدبلوماسية المتسارعة تكشف يوماً بعد يوم ضعف هذا المشروع وعزلته المتزايدة. بعد موجة سحب الاعتراف لم يتبق سوى 20 دولة فقط تدعمه في أبريل 2026، بعدما كان عددها يفوق 80 دولة في التسعينات، وهو ما يعكس أن المشروع الجزائري لم يعد مقنعاً وأن العالم يتجه نحو الحل المغربي القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية، انسجاماً مع القرار الأممي التاريخي 2797.
لقد أنفقت الجزائر ما يناهز 200 مليار دولار خلال العقود الماضية على مشروع “دولة وهمية”، من تسليح المخيمات إلى تمويل الحملات الدعائية، لكنها لم تنجح في إقناع العالم بشرعية الجمهورية الصحراوية. بل إن هذا الإنفاق تحول إلى عبء داخلي، حيث يطالب الجزائريون اليوم بتوجيه هذه الموارد نحو التنمية بدل المغامرات الخارجية. وفي المقابل نجح المغرب في بناء تحالفات قوية داخل الاتحاد الإفريقي وأعاد التوازن إلى المنظمة بعد عودته سنة 2017، كما كسب دعم الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا ودول الخليج، وأكثر من 40 دولة سحبت أو جمدت اعترافها بالكيان الوهمي.
أبناء الصحراء المغربية اليوم يدبرون شؤونهم بأنفسهم في إطار المؤسسات المنتخبة والمجالس المحلية والجهوية، وهو ما يعكس أن الحكم الذاتي ليس مجرد تصور نظري بل ممارسة يومية على الأرض. لذلك فإن الاستراتيجية التدبيرية الجديدة التي صادق عليها جلالة الملك في الاجتماع الوزاري تعطي نفساً جديداً للتدبير الإداري وتشرك المواطن في صناعة القرار وتحديد أولويات التنمية. نحن كمواطنين في الصحراء المغربية نعيش في أمن وأمان ونرى بأعيننا ثمار التنمية والاستقرار، حيث بلغت الاستثمارات العمومية في الأقاليم الجنوبية ما يزيد على 77 مليار درهم منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد سنة 2015، بينما إخواننا المحتجزون في مخيمات تندوف يعيشون أوضاعاً مأساوية محرومين من أبسط حقوقهم، رهائن لمشروع سياسي فقد شرعيته. الفارق بين واقعنا وواقعهم يفضح الأكاذيب التي روجتها الجزائر لعقود ويؤكد أن العالم اليوم أصبح يميز بين الحقيقة والوهم.
وهنا تبرز مسؤولية مجالس الجهات الثلاث: العيون الساقية الحمراء، الداخلة وادي الذهب، وكلميم وادنون، في تنزيل مخرجات المجلس الوزاري على أرض الواقع. هذه المجالس مطالبة بتسريع وتيرة المشاريع التنموية، تعزيز المشاركة المواطنة، وتكريس نموذج التدبير الجهوي الذي يجعل المواطن شريكاً أساسياً في صياغة السياسات العمومية. إن نجاح هذه الجهات في تحويل الاستراتيجية الملكية إلى واقع ملموس، مكمل لما تم تحقيقه من مشاريع وإنجازات تنموية، سيعطي دفعة قوية للموقف المغربي دولياً ويجعل من الحكم الذاتي نموذجاً يحتذى به في المنطقة.
وعليه، يتعين على البوليساريو أن تدرك أن التنمية بالأقاليم الجنوبية للمملكة في شموليتها لا تزال مستمرة، وأن عليها العودة إلى جادة الصواب بالانخراط بجدية في مشروعية الحكم الذاتي وتجاوز الأوهام. فالعالم اليوم بات يعرف الحقيقة ويميز بين الواقع والأكاذيب، ولم يعد هناك مجال لاستمرار الوهم في مواجهة الشرعية والإنجاز. المعركة لم تعد معركة حدود فقط بل معركة شرعية وواقع، فالمغرب يملك الأرض والإنجاز بينما البوليساريو لا تملك سوى الوهم. إن استمرار الجزائر في التمسك بجمهورية من ورق ليس سوى هروب إلى الأمام، في وقت تتجه فيه الأغلبية الساحقة من الدول نحو الاعتراف بالحل المغربي الواقعي والعملي. المغرب أمام فرصة تاريخية ليحول هذا الاعتراف الدولي إلى حقيقة لا رجعة فيها عبر دبلوماسية هجومية مدعومة بجبهة داخلية صلبة تجعل من الوحدة الترابية قضية محسومة في الوجدان الدولي والوطني.