تنزيل القانون 21.46 بين الإصلاح والجدل: ندوة علمية بالعيون تناقش مستقبل مهنة المفوضين القضائيين

المجهر24/إبراهيم أبهوش – العيون|

شهدت قاعة الندوات بالمدرسة العليا للتكنولوجيا بمدينة العيون صباح اليوم الخميس 27 نونبر الجاري تنظيم ندوة علمية كبرى بشراكة بين محكمة الاستئناف بالعيون والمجلس الجهوي للمفوضين القضائيين لدى محاكم الاستئناف بأكادير وكلميم والعيون، تحت شعار: تنزيل مقتضيات القانون 21.46 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين، آلية سياسية لتحقيق الأمن القانوني والقضائي. وقد صدر هذا القانون ليحل محل القانون السابق 81.03 بعد أكثر من ثمانية عشر عامًا من العمل به، وليمنح المفوضين القضائيين اختصاصات أوسع على مستوى التراب الوطني، ويعزز دورهم في تنفيذ الأحكام القضائية، ويضع شروطًا جديدة للولوج إلى المهنة بما يضمن الكفاءة والجودة.


افتتحت الندوة بكلمات رسمية أبرزت أهمية الموضوع وراهنيته، حيث أكد الأستاذ إبراهيم بن تزرت، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالعيون، على ضرورة تظافر الجهود لمواكبة تنزيل القانون بما يخدم العدالة ويعزز ثقة المواطن في المؤسسات القضائية. فيما شدد الأستاذ محمد الراوي على الدور المحوري للنيابة العامة في قانون مهنة المفوضين القضائيين، مبرزًا مسؤوليتها في ضمان حسن تطبيق المقتضيات القانونية وحماية الحقوق. وفي السياق ذاته تناول الأستاذ يوسف سعدون، نائب الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالعيون، عمق العلاقة بين النيابة العامة والمفوضين القضائيين، والتي تبدأ وتنتهي بخدمة المرتفقين بروح المسؤولية والضمير الحي، بينما ركز الأستاذ حسن طه، رئيس المحكمة الابتدائية ببوجدور، على مختلف جوانب العلاقة بين رئاسة المحكمة ومؤسسة المفوض القضائي، مؤكدًا انسجامها مع متطلبات العدالة وفعالية التنفيذ.

وانتقلت أشغال الندوة، التي قام بتسييرها باقتدار الأستاذ إبراهيم بن تزرت، إلى تقديم عروض علمية متنوعة، من أبرزها عرض الأستاذ محمود أبو الحقوق، رئيس الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين بالمغرب، الذي تطرق إلى القانون رقم 21.46 بين الحصيلة وأهداف تحقيق الأمن القانوني والإجرائي، مستحضرًا موقف الهيئة من القانون والتحديات التي تواجه المهنة في عدة مجالات، داعيًا إلى أجرأة هذا القانون والأخذ بعين الاعتبار المعيقات تحقيقًا للأمن القانوني والإجرائي وضمانًا لاستقلالية المهنة ومؤسساتها التمثيلية. كما تناولت مداخلات أخرى بالتحليل أهم مضامين القانون الجديد الذي يُعد محطة إصلاحية بارزة في مسار تأهيل المهنة، سواء من حيث تطوير الإطار القانوني أو الرفع من كفاءة المفوضين القضائيين، مع التركيز على التحديات العملية التي تواجه هذه الفئة وتقديم مقترحات عملية لتجويد الممارسة وضمان الفعالية في تنفيذ الأحكام القضائية.

ولم تقتصر العروض على الجوانب القانونية فحسب، بل شملت أيضًا موضوعات ذات صلة بالجانب المهني والإنساني، حيث قدم الأستاذ عبد الحميد اضليعة مداخلة متميزة حول موضوع التواصل الفعال: مشكلاته، مبادؤه وقواعد نجاحه، وقد عرف هذا العرض تجاوبًا استثنائيًا لما له من أهمية في تحقيق الغايات الفضلى من ممارسة المهنة، باعتبار أن التواصل السليم يشكل ركيزة أساسية في بناء الثقة بين المفوض القضائي والمتقاضين وضمان جودة الخدمات المقدمة.


وقد تميزت الندوة بمناقشات موسعة بين المشاركين، وفي سياق هذه المناقشات تطرق الأستاذ المحامي مولاي إدريس الخطاب إلى موضوع تنفيذ الأحكام القضائية وما يطرحه من إشكاليات عملية وقانونية، خاصة تلك المتعلقة بالتأمينات والودائع وصعوبات التبليغ بالخارج. وأوضح أن هذه الجوانب تشكل تحديًا حقيقيًا أمام تحقيق العدالة الناجزة، مما يجعل المفوضين القضائيين يواجهون صعوبات متعددة أثناء التنفيذ، سواء من حيث تعقيد المساطر أو مقاومة بعض المحكوم عليهم، وهو ما يضعف من فعالية الأحكام القضائية ويؤثر على ثقة المتقاضين في المنظومة القضائية. كما أبرز أن التنفيذ على الودائع البنكية أو التأمينات يتطلب تنسيقًا محكمًا بين القضاء والمؤسسات المالية وشركات التأمين، وهو ما لا يتم دائمًا بالسرعة المطلوبة، في حين أن التبليغ بالخارج يظل رهينًا بالمساطر الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية، مما يطيل أمد التنفيذ ويزيد من تكلفته.


وأكد الأستاذ الخطاب أن معالجة هذه الإشكاليات تستوجب إصلاحًا تشريعيًا يواكب الواقع العملي، مع تعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات، وتبسيط الإجراءات، وتفعيل الاتفاقيات الدولية بما يضمن سرعة التنفيذ وحماية الحقوق، مشددًا على أن الأمن القانوني لا يتحقق إلا بتنفيذ فعلي وفعال للأحكام القضائية. وقد عبر عدد من المتدخلين عن تخوفاتهم من بعض مقتضيات القانون الجديد التي قد تمس باستقلالية المهنة، في حين رأى آخرون أن القانون يشكل فرصة لإصلاح عميق يرفع من مكانة المفوض القضائي كفاعل أساسي في منظومة العدالة. وتركزت النقاشات على ضرورة التوافق بين وزارة العدل والهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين، وعلى أهمية الحوار المؤسساتي لتجاوز أي أزمة ثقة محتملة، مع التأكيد على أن تنزيل القانون يجب أن يتم بشكل تدريجي وبتشاركية واسعة تراعي خصوصيات المهنة والتحديات العملية التي تواجهها في الميدان.
وفي ختام الندوة، فُتح باب النقاش أمام الحاضرين الذين عبروا عن ارتياحهم لمستوى التنظيم وجودة العروض المقدمة، مؤكدين على أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات العلمية لتعزيز التواصل بين مختلف الفاعلين في الحقل القضائي. كما ارتأت الجهة المنظمة إخراج مخرجات هذه الندوة ضمن كتيب علمي يوثق أعمالها، ليكون مرجعًا للباحثين والمهنيين، وكذلك مناسبة لطلبة المدرسة العليا للتكنولوجيا الذين حضروا أشغالها للاستفادة من النقاشات العلمية والتوصيات العملية. وهكذا جسدت هذه الندوة مرة أخرى الدور الريادي للمؤسسات القضائية في الانفتاح على محيطها العلمي والمهني، وترسيخ قيم البحث والتكوين المستمر خدمةً للعدالة والمواطن.

ويظهر من خلال مجمل العروض والمناقشات أن القانون رقم 21.46، رغم صدوره كخطوة إصلاحية، ما يزال يثير نقاشًا واسعًا بين مختلف الفاعلين، وأن التوافق حول تنزيله يظل شرطًا أساسيًا لتحقيق أهدافه في تحديث العدالة وضمان الأمن القانوني والقضائي.

شارك المقال
  • تم النسخ