
المغرب… حارس أوروبا على حساب أمنه الداخلي: الضريبة والخطر المؤجل
بقلم: إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي|
المتأمل في الأرقام التي كشفت عنها وزارة الداخلية المغربية يبقى مشدوهاً أمام هذا الكم الكبير من الأشخاص، أطفال ونساء وشباب من القارة السمراء، وجهتهم أوروبا. المغرب بالنسبة لهم حارس ظالم يحول دون وصولهم إلى أوروبا، الأرض التي يتصورونها مانحة لفرص الشغل والجامعة والمستقبل والملاذ من النزاعات والاقتتال والجوع والفقر.
بلغة الأرقام أيضاً، كشفت وزارة الداخلية أن مصالحها تمكنت سنة 2025 من إجهاض ما مجموعه 73.640 محاولة هجرة غير شرعية، وتفكيك أكثر من 300 شبكة تهريب، وإنقاذ 13.595 مهاجراً في عرض البحر، إضافة إلى تنظيم عودة طوعية لـ 4.372 مهاجراً إلى بلدانهم الأصلية. هذه الأرقام الضخمة تعكس حجم الضغط الذي يواجهه المغرب في سياق إقليمي متقلب، وتبرز قدرة الأجهزة الأمنية على التصدي لشبكات منظمة ومتطورة، مع الحرص على إظهار جانب إنساني في التعامل مع المهاجرين عبر الإنقاذ والإيواء والمساعدة الطبية.
غير أن هذه الحصيلة، مهما بدت إيجابية، تطرح أسئلة حارقة حول جدوى المقاربة الحالية. هل يكفي التركيز على تفكيك الشبكات الأمنية لإيقاف نزيف الهجرة، أم أن جذور الظاهرة في دول المصدر من فقر ونزاعات وغياب التنمية تظل أقوى من أي مقاربة أمنية؟ إلى أي حد يمكن للمغرب أن يستمر في لعب دور الحاجز دون أن يتحول ذلك إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي؟ وهل المقاربة الإنسانية التي تُبرزها السلطات مجرد واجهة لتخفيف الضغط الأوروبي، أم أنها تعكس فعلاً رؤية استراتيجية لإدارة الهجرة بكرامة؟ كيف يمكن ضمان أن العودة الطوعية لا تتحول إلى عودة قسرية مقنّعة؟ وأخيراً، هل يمكن الحديث عن تراجع تدريجي لتدفقات الهجرة عبر المغرب في ظل استمرار الأرقام المرتفعة، أم أن الأمر مجرد إعادة توزيع جغرافي للظاهرة؟
في ظل هذا الوضع الإنساني الكارثي، يطفو سؤال آخر أكثر إلحاحاً: لماذا لا تدعم الدول الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، هؤلاء الشباب الحالمين بالهجرة والمغامرة داخل أوطانهم؟ لماذا لو تحولت مليارات تُصرف على تعزيز المراقبة الأمنية إلى استثمارات في مشاريع هيكلية تضمن التشغيل وتغنيهم عن ركوب البحر؟ لماذا لو دعمت أوروبا المقاولات الناشئة والبنية التحتية والتعليم والتكوين المهني، بدل الاكتفاء بتمويل الحواجز والأسلاك الشائكة؟ ولماذا لو أدركت القوى الكبرى أن أمنها يبدأ من تنمية جيرانها لا من عسكرة حدودها؟
إفشال 73.600 محاولة هجرة سرية يعني أن المغرب يبذل جهوداً كبيرة لحماية أوروبا من أفواج الشباب الأفريقي الرافضين العودة إلى دولهم الأصلية، لكنه في المقابل يتحمل تبعات هذه الظاهرة، مع ظهور بؤر دخيلة تمس بالأمن والاستقرار في البلد. هذا الواقع يطرح إشكالية مزدوجة: من جهة، المغرب يتحمل عبء حماية حدود أوروبا، ومن جهة أخرى، يواجه تحديات أمنية واجتماعية متنامية داخل أراضيه، مثل التسول والسرقة والاغتصاب والفوضى والاعتداء على المواطنين والهجوم على مساكن الغير والنصب والاحتيال وغيرها من الجرائم الماسة بالأمن العام. وهنا يبرز السؤال الحارق: إلى أي حد يمكن أن يستمر المغرب في لعب دور الحارس دون أن يدفع ثمناً داخلياً باهظاً؟
الدعم الحالي الذي يتلقاه المغرب من شركائه الأوروبيين يبقى غير كافٍ تماماً، كما أن بلدان الاتحاد الأوروبي مطالبة بدعم المهاجرين الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية. فلا يُعقل أن تكون هناك عودة طوعية لـ 4.372 شخصاً فقط من أصل 73.640 مهاجراً سرياً، يتقاسمون مع شباب البلد حقوقه وفرصه المحدودة. هذه الفجوة تكشف أن الحلول الجزئية لا تكفي، وأن المطلوب هو مقاربة شمولية تضمن التوازن بين حماية الحدود، دعم التنمية في دول المصدر، وتخفيف الضغط عن المغرب الذي يؤدي دور الشرطي الإقليمي على حساب أمنه الداخلي.
لا يسعنا إلا أن ننوه بمجهودات القوات العمومية والسلطات المحلية على جهودها الجبارة في محاربة الظاهرة، في ظل معادلة غير متوازنة: المغرب يواجه ضغطاً أمنياً واجتماعياً متزايداً، بينما أوروبا تستفيد من حماية حدودها دون أن تقدم حلولاً جذرية. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيظل المغرب يؤدي دور الشرطي الإقليمي، أم سيُفرض على أوروبا أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في معالجة جذور الظاهرة، قبل أن تتحول هذه البؤر الدخيلة إلى تهديد حقيقي للاستقرار الوطني والإقليمي؟


