الصحراء المغربية وجزر الكناري… قرب جغرافي وتكامل اقتصادي واعد في ظل الحكم الذاتي

الصحراء المغربية وجزر الكناري… قرب جغرافي وتكامل اقتصادي واعد في ظل الحكم الذاتي

حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

بقلم إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي |

دخلت قضية الصحراء المغربية منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 مرحلة جديدة، حيث أصبح مشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب المرجعية الوحيدة للحل السياسي، في ظل قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”. هذا القرار أنهى عمليًا الجدل حول خيار الاستفتاء التقليدي المتجاوز أمميًا، وأعاد النقاش إلى كيفية تنزيل الحكم الذاتي وضمان مشاركة السكان في إدارة شؤونهم المحلية تحت السيادة المغربية. لذلك، فإن التاريخ السياسي الأممي يسجل أنه لأول مرة يحظى هذا الطرح بإجماع دولي غير مسبوق، وهو ما يجعله منعطفًا حاسمًا في مسار النزاع.
لا يمكن في هذا السياق إغفال ما تنعم به الأقاليم الصحراوية من تنمية اقتصادية واجتماعية وأمنية. مدن مثل العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وغيرها من أقاليم الجهات الجنوبية الثلاث تحولت إلى مراكز تنموية بفضل استثمارات ضخمة في البنية التحتية، الموانئ، الطرق، والمطارات، فضلًا عن مشاريع الطاقات المتجددة التي جعلتها رائدة في الانتقال الطاقي. التنمية الاجتماعية واضحة في التعليم والصحة، حيث تم بناء جامعات، ومدن للمهن والكفاءات، ومستشفيات حديثة. والأهم أن هذه الأقاليم تنعم بأمن واستقرار ملحوظ، وهو ما يميزها عن مناطق أخرى في الساحل والصحراء التي تعاني من الفوضى والحروب والمجاعة والأمراض الخطيرة. هذا الواقع يعزز مصداقية المغرب في طرح الحكم الذاتي كحل عملي، لأنه يثبت أن التنمية والأمن ليست وعودًا بل واقعًا ملموسًا.
وإذا كان المغرب متمسكًا بالحكم الذاتي كحل نهائي، وهو ما لقي دعمًا دوليًا واسعًا، فإن الجزائر والبوليساريو، رغم تحفظاتهما، وجدتا نفسيهما أمام ضغط دولي يفرض التخلي عن خيار الاستفتاء التقليدي المتجاوز أمميًا. المفاوضات الأخيرة ركزت على تفاصيل تنزيل الحكم الذاتي، مثل كيفية انتخاب المؤسسات المحلية وضمان مشاركة السكان، وغيرها من القضايا التي تتحفظ عليها الجزائر والبوليساريو. وقد تنبهت الولايات المتحدة الأمريكية وأعضاء مجلس الأمن إلى هذه الدينامية على ضوء القرار الأممي 2797. وهنا تصبح اليد الممدودة من المغرب نحو الجزائر فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها، والجزائر أمام خيار استراتيجي: إما الاستمرار في الجمود الذي يستهلك مواردها ويضعها في مواجهة مع المجتمع الدولي، أو الانخراط في الحل السياسي الذي يفتح الباب أمام تعاون إقليمي واسع، خاصة في مجالات الأمن، الطاقة، التجارة، والبنية التحتية، ضمانًا لرقي وازدهار الشعب الجزائري الشقيق وكذا التكامل المغاربي.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإن الجوار بين الصحراء المغربية وجزر الكناري ليس مجرد جغرافيا، بل هو فرصة استراتيجية لإعادة تفعيل الخط البحري بين طرفاية ولاس بالماس، الذي سيجعل من الكناري بوابة أوروبية للصحراء المغربية. كما أن جزر الكناري يمكن أن تستفيد من السوق المغربية، ويستفيد المغرب من خبرة الكناري في السياحة والخدمات. التعاون في مشاريع الطاقة النظيفة أيضًا سيخلق تكاملًا بين موارد الصحراء وخبرة الكناري، والربط المباشر سيتيح للسائح الأوروبي الجمع بين شواطئ الكناري ومدن العيون وبوجدور والداخلة في رحلة واحدة. نجاح المفاوضات حول الصحراء سيعني أكثر من مجرد حل نزاع؛ سيعني خلق فضاء جديد للتعاون الإقليمي بين المغرب والكناري، اللذين يمكن أن يتحولا إلى محور استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا عبر الأطلسي، ويجعل من المنطقة نموذجًا للتكامل بدلًا من التوتر.
إن واجب استغلال الفرصة التاريخية من طرف الجزائر والبوليساريو سيكون بلا شك مدخلًا لإنهاء هذا النزاع المفتعل في إطار القرار الأممي 2797، الذي لم يحسم فقط المرجعية القانونية والسياسية للنزاع، بل فتح أيضًا نافذة تاريخية أمام الجزائر لتتحول من طرف معرقل إلى شريك في بناء مستقبل مشترك. وعليه فإن اليد الممدودة من المغرب ليست مجرد مبادرة دبلوماسية، بل هي دعوة إلى صناعة التاريخ عبر تحويل منطقة النزاع إلى فضاء للتكامل والتنمية، وهو خيار إن تم استغلاله سيعود بالنفع على شعوب المنطقة كلها. عين العقل أن يفهم كل من زاغ عن الحق وعن الشرعية الدولية أن المغرب اليوم لا يفاوض فقط على حل سياسي، بل يفاوض على مستقبل تنموي شامل واعد لكل الشركاء والأصدقاء من دول العالم، حيث أثبتت الأقاليم الصحراوية المغربية أنها قادرة على أن تكون فضاءً للأمن والتنمية، مع كل دول الجوار: الجزائر، موريتانيا، وجزر الكناري، الشريك الطبيعي لهذه الدينامية. كل خطوة نحو الحل السياسي هي خطوة نحو بناء شراكة استراتيجية مغاربية أطلسية، تجعل من الصحراء المغربية والكناري فضاءً للتكامل الاقتصادي والطاقي والسياحي، وتحوّل الأطلسي من خط فصل ومن مغرب عربي متأخر عن الركب التنموي إلى جسر تعاون مشترك وضمانة لمستقبل زاخر لشعوب هذا الفضاء المغاربي في الحوض الأطلسي-المتوسطي الكبير.
لذلك، على جبهة البوليساريو أن تتحلى بالواقعية، وأن تقبل بالحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد المدعوم دوليًا، وأن تتجاوز مخلفات الماضي الانفصالية وتنضم إلى الوطن الغفور الرحيم. فالانخراط المباشر في البناء والتشييد والرخاء هو الخيار الوحيد الذي يضمن مستقبلًا كريمًا لأبناء المنطقة، وسيحولهم من رهائن نزاع طويل الأمد إلى شركاء فاعلين في التنمية والاستقرار، إلى جانب أبناء العمومة في الأقاليم الصحراوية الذين أثبتوا كفاءتهم ونجاحهم في تدبير الشأن العام المحلي في عدة مستويات. وهو دليل عملي على أن الحكم الذاتي ليس مجرد شعار بل تجربة قائمة وناجحة. فإما أن تختار البوليساريو المستقبل بدلًا من الماضي، وتنضم إلى مسيرة وطنية جامعة تصنع التنمية والكرامة والرخاء، وإما أن تظل في مسارها وتتحمل وزر هذا الاختيار.