بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش|
إن ضعف التواصل المؤسساتي في المغرب لا يعني فقط إهدار ثقة المواطن، بل يؤدي أيضًا إلى تشويه صورة الدولة وتبذير المال العام في حملات فارغة لا تحقق أي أثر إيجابي. فالتواصل ليس ترفًا ولا واجهة شكلية، بل هو من صميم العمل العمومي، وأداة أساسية لإقناع المواطن بجدوى السياسات التي تُنفذ على أرض الواقع. لذلك فإن الفشل في هذا المجال هو خيانة لرسالة المؤسسة التي يفترض أن تكون في خدمة المجتمع، بينما النجاح فيه هو الضمانة الوحيدة لأن تُسمع الرسالة وتُحترم المجهودات ويظل المواطن شريكًا لا مجرد متفرج.
تبدل العديد من المؤسسات المغربية مجهودات كبيرة في تدبير وتنزيل سياساتها العمومية، غير أنها تصطدم بضعف واضح في التواصل مع الرأي العام. هذا الضعف لا يرتبط بغياب الإنجاز، بل بسوء اختيار مسؤولي التواصل المؤسساتي ومدراء الدواوين، وجهل معظمهم بالعلاقة الجوهرية التي تربط المؤسسات العمومية بالصحافة والإعلام. هذه العلاقة لا تنحصر في تبادل البلاغات أو إرسال الأخبار، بل تدخل في صميم ما يُعرف بـ العلاقات العامة، التي تعني بناء الثقة بين المؤسسة والجمهور عبر الإعلام باعتباره الوسيط الطبيعي لنقل المعلومة، وإدارة الصورة الذهنية للمؤسسة بحيث يظهر نشاطها ومجهوداتها بشكل متوازن وواقعي بعيدًا عن التطبيل أو التعتيم.
العلاقات العامة أيضًا تواصل مستمر مع الصحفيين والفاعلين الإعلاميين، ليس فقط عند الأزمات أو المناسبات، بل بشكل يومي يعكس حضور المؤسسة في المشهد العمومي. كما تشمل صياغة الرسائل بلغة واضحة ومقنعة تراعي السياق الوطني وتستجيب لتطلعات الرأي العام، إضافة إلى الاستماع والتفاعل مع ما يُنشر في الإعلام، لأن العلاقات العامة ليست اتجاهًا واحدًا بل حوار متبادل يتيح للمؤسسة تصحيح الأخطاء وتوضيح الحقائق. وحتى حين تختلف المؤسسات العمومية مع الخط التحريري لبعض المنابر الإعلامية، فلا يجوز أن يتحول ذلك إلى إقصاء أو انتقائية في التعامل، إذ على من يعنيهم الأمر أن يدركوا أن الإعلام، سواء كان في موقع الأغلبية أو المعارضة، يؤدي دوره الحقيقي في تقديم خدمة إعلامية صحيحة أساسها قداسة الخبر وحرية التعليق.
لكن حين يغيب هذا الوعي، تتحول المناسبات الرسمية إلى بهرجة أكثر منها تسويقًا لمنتجات ومجهودات تنموية باسم الدولة التي تعني الإنجاز والالتزام. وهنا يضيع جوهر الرسالة، ويُستبدل التواصل المؤسساتي الفعّال بمظاهر شكلية لا تقنع المواطن ولا تخدم التنمية.
في المقابل، تنجح المؤسسات الدولية في التسويق الترابي والمجالي لسياساتها لأنها تدرك أن المجال الترابي منتوج يحتاج إلى تسويق، وتتعامل معه برؤية استراتيجية واضحة، وأدوات مهنية دقيقة، وخطط طويلة المدى مبنية على تحليل المؤهلات والفرص. هذه المؤسسات تعتبر الإعلام والتواصل قلب العملية، وتستعين بخبراء في العلاقات العامة والتسويق الرقمي، مما يجعلها قادرة على إبراز صورة جاذبة للمجالات الترابية، واستقطاب الاستثمارات، وكسب ثقة الرأي العام. نجاحها ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تخطيط استراتيجي واحترافية في التواصل، بينما المؤسسات المحلية كثيرًا ما تفشل بسبب غياب الكفاءات والاكتفاء بالخطاب الإنشائي.
فهلا يعي المسؤولون سر فشلهم بدل تعليقه على مشجب التحامل ونظرية المؤامرة؟ إن الاعتراف بالخلل هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح، أما التمويه والاتهام الدائم للآخرين فلن يغير من الواقع شيئًا. المغرب بمختلف قواه الحية يعرف جيدًا المفسدين والمصلحين مهما صُرفت أموال الشعب على المساحيق والواجهات الزائفة. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من التبريرات، بل تصحيح ما يمكن تصحيحه عبر اعتماد الكفاءات الحقيقية في مجال الاتصال المؤسساتي، والانفتاح على الإعلام بمختلف توجهاته، والقطع مع عقلية الإقصاء والانتقائية.
ولذلك فإن المطلوب اليوم هو الانطلاق من التدبير إلى التغيير، على قاعدة الفصل التاريخي والحضاري والإنساني الفاصل بين مرحلتين: ما قبل 31 أكتوبر 2025 وما بعده، من منطلق الحق في المعلومة، والقيام بالواجب، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو فصل يؤكد أن ما يوحدنا أكثر مما يفرقنا، وأن بناء الثقة بين الدولة والمواطن لا يتم إلا عبر المصداقية والشفافية والانفتاح على كل الأصوات.
المسلم به أن المؤسسات المغربية مطالبة بأن تدرك أن حسن النية وسوء التدبير لا يلتقيان، وأن المصداقية والتطبيل لا يجتمعان. الاتصال المؤسساتي ليس خيارًا ثانويًا، بل هو السياسة العمومية الأولى التي بدونها لن يصدق المواطن أي إنجاز.


