
“الصمت النابض”…وجوه تتفكك لتعيد تشكيل ذاتها في لوحات سعيد قديد
المجهر24/الرباط|
يقدم الفنان التشكيلي سعيد قديد في معرضه الجديد “الصمت النابض”، الذي افتتح برواق باب الرواح بالرباط، تجربة فنية تتقاطع فيها الحركة مع السكون، والتجريد مع التصوير، دون أن يُلغى أحدهما الآخر. وجوهه المطموسة بفرشاة عاصفة تحتفظ بتعابيرها المتأملة وملامحها المنكسرة، فيما تستحضر بعض اللوحات عناصر من الذاكرة الجمعية في لباسها التقليدي ومحيطها الحضري العتيق. القاسم المشترك بينها هو تجسيد الحركة حتى في لحظات السكون.
يقول قديد: “كنت أهتم بالشكل، الآن أهتم أكثر بما يدور في قلب اللوحة. كل حركة، كل لمسة داخلها لها أهميتها المركزية. اللغة التشكيلية مستقلة”. فهو يراهن على عناصر دقيقة مثل الضوء وسمك الخطوط لصناعة عالم تشكيلي بلغة خالصة، حيث يصبح المنظر مجرد ذريعة لما هو أبعد.
لوحات المعرض، التي تحاور المشاهد بلا عناوين، تنبض بطاقة كامنة تتفجر من خلال الضوء. الفنان يرفض التشكيل السطحي والقراءات المبسطة، ويدعو الجمهور إلى تقاسم التأويل والتحليق في عوالم دلالية وإيحائية مفتوحة، إذ لا يقترح صورة ثابتة ولا يسعى إلى لوحة مكتملة. بالنسبة له، العملية الإبداعية هي مخاض يتجاور فيه الوعي واللاوعي، حيث يترك مساحة كبيرة للاوعي الجامح وغير المنضبط.
في أعماله الجديدة، لا يظهر الإنسان كموضوع جاهز، بل كعالم عابر داخل زمن متشظ، بأجساد في حالة حركة أو انكسار، ووجوه نصف واضحة كأنها تخرج من ضباب الذاكرة أو تعود إليه. اللون عنده أثر نفسي أكثر منه وصف بصري، والجسد امتداد للمكان. الأزرق الداكن والأسود وتفجرات الضوء تتحول إلى لغة تعبيرية تكشف هشاشة الكائن وقوته في آن واحد.
الشاعر حسن نجمي يرى أن التجريد عند قديد لا يمحو الوجه بل يمنحه احتمالات أخرى للتشكل، حيث يصبح كتلة من الضوء والندوب وذاكرة متشظية. أما عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة، فيرصد تداخل تجربة الشاعر والرسام، إذ تزخر اللوحة بإمكانيات القصيدة، كما ترسم القصيدة لوحة بالأبجدية.
بعد 36 سنة من أول ظهور لتجربته في “باب الرواح”، يواصل سعيد قديد مغامرة اللون والضوء والحركة، عارضا أعماله في عواصم الفن العالمية مثل باريس ولندن وغرناطة وأبوظبي، دون أن يتخلى عن واجب تقاسم الخبرة مع طلاب وهواة الرسم في ورشته المفتوحة بروح صوفية.


