
لحم الإبل بين الغلاء والأزمة الهيكلية… دعوة لرؤية سياسية شاملة
بقلم: إبراهيم أبهوش |
بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الإبل أكثر من 150 درهماً، وهو ما دفع العديد من الأسر في الأقاليم الجنوبية إلى إعلان مقاطعته بشكل صريح، في خطوة احتجاجية غير مسبوقة ضد الغلاء الذي تجاوز قدرة المواطن البسيط. هذه المقاطعة ليست مجرد رد فعل عابر، بل تعبير عن أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل هيكلية: تراجع القطيع الوطني بحوالي 30% بفعل الجفاف وجائحة كورونا، ضعف الاستيراد السنوي حيث لم يتجاوز المقترح الحكومي عشرة آلاف رأس من الإبل مقابل طلب محلي يناهز أربعين ألفاً، وأزمة الأعلاف التي أثقلت كاهل المربين في ظل ندرة الموارد الرعوية الطبيعية التي تغطي أكثر من 21 مليون هكتار.
كيف يمكن أن يصبح “لحم الحاشي”، سيد المائدة الصحراوية، عبئاً مالياً لا يطاق؟ ولماذا تُقصى الإبل والماعز من برامج الدعم بينما تُمنح تسهيلات واسعة للأبقار والأغنام؟ تتساءل إحدى السيدات المقاطعات لشراء لحم الإبل. وكيف يمكن الحديث عن عدالة غذائية في ظل فجوة تصل إلى ثلاثين ألف رأس من الإبل بين العرض والطلب؟ ويتساءل أحد الكسابة: إلى متى سيظل هذا القطاع خارج دائرة الاهتمام الحكومي؟
الأرقام تكشف حجم التفاوت بين القطاعات، حيث يضم المغرب أكثر من 23 مليون رأس من الأغنام، و7.4 مليون رأس من الماعز، وما يزيد عن مليوني رأس من الأبقار، بينما لا يتجاوز عدد الإبل 183 ألف رأس، منها 91 ألف أنثى فقط، وفق الإحصائيات الرسمية للوزارة. هذا الاختلال يضع مربّي الإبل في موقع هش، ويجعلهم رهائن لسياسات يعتبرونها غير متوازنة.
خلال دورة يوليوز 2025 العادية لمجلس جهة العيون الساقية الحمراء، سلط الأعضاء الضوء على هذه الأزمة، مستنكرين التعاطي السلبي للمديرية الجهوية للفلاحة بالعيون، وتقاعسها عن تحقيق انتظارات الكسابة بالترافع مركزياً عن هذا القطاع الحيوي وما يمثله في الهوية الصحراوية وإرثها التاريخي وأمنها الاجتماعي والغذائي.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبح لحم الإبل رمزاً لأزمة أعمق: أزمة ثقة بين المواطن والقطاع الوصي، وأزمة رؤية في تدبير قطاع فلاحي حيوي، في أبعاده الكبرى. فالمطلوب اليوم إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لهذا القطاع، وتضمن أن يبقى لحم الإبل في متناول الجميع، لا حكراً على الأثرياء.
وتبقى الحقيقة الساطعة أن الأمن الغذائي والهوياتي لا يمكن أن يُبنى على حلول ترقيعية أو أرقام متقادمة، بل على رؤية شاملة تستجيب لانتظارات الكسابة الذين يواجهون يومياً تحديات البقاء لتوفير طلب الساكنة الذي يفوق العرض. وهنا، يظل من المهم أن تُقدَّم توضيحات رسمية أو مبررات حكومية، حتى يكتمل النقاش ويأخذ طابعاً أكثر توازناً بين صوت المواطن وصوت المؤسسات.


