بقلم :ذ. إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي|
لم تعد المبادئ تُمارس كما هي، بل تُعاد صياغتها لتناسب المصالح، وتُروّج في قوالب تخدع المظهر وتُفرغ الجوهر. في هذا السياق، التباس المفاهيم لدى البعض يدفعنا إلى التذكير بما رافقه من تحوُّل في القيم، وتغليفها بشعارات برّاقة تُخفي هشاشة المضمون. وبذلك أصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة الحارقة حول معنى النضال، لا من باب التنظير، بل من باب المحاسبة الأخلاقية. ما هو النضال؟ هل هو التزام مبدئي بقضايا الناس، أم وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية؟ هل هو فعل جماعي نابع من وجع جماعي، أم مجرد بطاقة عبور نحو الامتيازات والمناصب؟ وهل يمكن أن يتحول إلى أداة للاستخفاف بالمناضلين الحقيقيين، واستبلاد القواعد التي آمنت بهم، ونشر التفرقة بينهم، بدل أن يكون وسيلة لتوحيدهم حول قضايا عادلة؟
النضال الحزبي، الذي كان يُفترض أن يكون تعبيرًا عن انخراط في مشروع مجتمعي، تحوّل في كثير من الأحيان إلى ولاء أعمى لقيادات لا تُسائل، وإلى اصطفاف قبلي داخل تنظيمات تُقدّس الزعيم وتُقصي المختلف. أما النضال النقابي، فقد انزاح عن دوره التأطيري والتفاوضي، ليصبح أداة للابتزاز أو سلّمًا للترقي الإداري والسياسي، في غياب تام لثقافة المحاسبة الداخلية. فهل النضال النقابي اليوم يُمارس من أجل تحسين شروط العمل، أم من أجل تحسين شروط التموقع؟
النضال الحقوقي، الذي وُلد من رحم المعاناة، بدوره صار في بعض تجلياته واجهة ناعمة لمشاريع خارجية، أو منصة لتلميع الذات، لا لتوسيع دائرة الحقوق والحريات. حتى النضال الاجتماعي، الذي يُفترض أن يكون صوت الهامش، بات في بعض السياقات مجرد صدى لمصالح ضيقة تُدار من خلف الستار. فهل النضال الاجتماعي ما زال صوتًا للمهمشين، أم صار وسيلة لتسويق الذات في بورصة المنظمات؟
الأخطر من كل هذا، أن بعض من يتصدرون المشهد النضالي اليوم لا يترددون في الاستخفاف بالمناضلين الحقيقيين، واستبلاد القواعد التي احتضنتهم، ونشر التفرقة بينهم باسم “الاختلاف الخلاق” أو “الواقعية السياسية”. يُمارسون النضال كحرفة، لا كرسالة، ويُتقنون فنون التموقع أكثر من إتقانهم لآليات الترافع والدفاع. ويعتمدون قاعدة الأغلبية كذريعة لإقصاء المعارضة، لا كآلية ديمقراطية تضمن التوازن. تُختزل المسؤولية في عدد الأصوات، لا في نوعية القرارات. يُهمّش الرأي المخالف، ويُصوَّر كخيانة أو تشويش، بينما يُمنح الولاء الأعمى صكوك الغفران.
في هذا السياق، تُستعمل قاعدة الأغلبية لتبرير الاستفراد، وتُغيب المسؤولية الجماعية لصالح التبرير العددي. تُختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع، وتُنسى في ساحات النقاش، ويُستبدل الحوار بالتجييش، والمساءلة بالتصفيق.
العمل التطوعي الذي يُفترض أن يكون فعلًا حرًّا نابعًا من إرادة ذاتية لخدمة الصالح العام، يتحول في بعض السياقات إلى أداة للتحكم، حين يتدخل الانتماء ليلعب دورًا في توجيه المبادرة، وتقييد الحرية، وتحديد من يستحق ومن يُقصى. هنا، يصبح التطوع مشروطًا، والانتماء وسيلة للهيمنة، لا للمشاركة. التحكم والانتماء خطان متوازيان لا يلتقيان إلا في منطقين لا ثالث لهما: الأول قانوني يحسم في علاقة الفرد بالجماعة، والثاني أخلاقي يحسم في حدود التدخل واحترام الكرامة. لكن حين تُستعمل هذه المنظومات لتبرير احتقار العقول، أو لتسويق الرداءة، أو لتكريس التبعية، فإنها تفقد وظيفتها، وتتحول إلى أدوات للتحكام، لا أدوات للتنظيم.
وفي امتداد هذا المشهد، لا يمكن التغاضي عن ظاهرة التحول السريع في الولاءات السياسية، حيث يُقدَّس الأشخاص في لحظة، ثم يُنكرون في اللحظة التالية، بمجرد أن تتبخر الوعود أو يتراجع التقدير. كثيرون ممن كانوا بالأمس القريب من المدافعين الشرسين، أصبحوا اليوم من أشرس المعارضين، لا لأنهم اكتشفوا خللًا في الفكرة، بل لأنهم فقدوا امتيازًا أو موقعًا. هؤلاء غيروا قناعاتهم بألوان حربائية، وبدأوا في الظهور مجددًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، بخطاب جديد لكن بنفس المنطق القديم: التموقع أولًا، والمبدأ لاحقًا، إن وُجد.
في لحظات حرجة، يكتشف الفاعلون أن بعض من كانوا يُحسبون على دوائر الدعم قد اختاروا الصمت أو الانسحاب. هذا الغياب لا يُقاس فقط بالمواقف السياسية، بل أيضًا بالبعد الإنساني: سؤال عن الحال، عن الصحة، عن الأثر. إن غياب هذا البُعد يُعمّق الشعور بالعزلة، ويُضعف من تماسك الجبهة الأخلاقية للنضال.
السياسة التي تنسلخ من الأخلاق تفقد شرعيتها، وتتحول من أداة بناء إلى وسيلة هدم. حين يُستبدل المبدأ بالمصلحة، ويُغيب الضمير لصالح التموقع، يصبح الفعل السياسي مجرد لعبة نفوذ، لا مشروعًا مجتمعيًا. إن إعادة الاعتبار للأخلاق في الممارسة السياسية والنضالية ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية لضمان الاستمرار والمصداقية. النضال الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور، ولا بعدد الرحلات، بل بعمق الموقف، ونظافة اليد، ووضوح البوصلة.
أما من يصرّ على التحكم باسم الانتماء، ويحتقر العقول باسم الأغلبية، ويُمارس الذكاء في تزييف الوعي، فليعلم أن الذكاء الحقيقي لا يُقاس بقدرة الفرد على التلاعب، بل بقدرته على بناء الثقة، وصون الكرامة، واحترام الاختلاف. كن ذكيًّا كما شئت، وراوغ كما استطعت، لكن حين تحتقر عقول الآخرين، تأكد أن من بينهم من يعتبرك، مع نفسك ومحيطك، أكثرهم غفلةً عن المعنى الحقيقي للنضال. لأن التحكم ليس ذكاء، بل انحدار في سلم الوعي.
للتفكير فيما رافقه من انقلاب في القيم، وتبخّر في الوعود، وتحوّل النضال إلى موسم انتخابي، والانتماء إلى أداة تحكم، والمبادرة إلى امتثال. للتفكير فيما رافقه من خيبات صامتة، ومن تحولات فجّة، ومن عودة وجوه بأقنعة جديدة، لا تحمل من النضال سوى صورته، ولا من المبادئ سوى ظلّها الباهت. للتفكير فيما رافقه من صمتٍ عن الحق، ومن ضجيجٍ في الباطل، ومن ذكاءٍ يُستعمل لتسويق الغباء، لا لمواجهته.
للتفكير، لا من أجل جلد الذات، بل من أجل استعادة المعنى. للتفكير، لا من أجل التبرير، بل من أجل التحرير. للتفكير، لأن النضال لا يُورّث، بل يُبنى، ولا يُشترى، بل يُصان.


