بقلم : ذ. إبراهيم أبهوش |
القرار الأممي 2797 الذي صدر يوم 31 أكتوبر لم يكن مجرد وثيقة قانونية جديدة، بل كان بشرى تاريخية حملها الخطاب الملكي السامي إلى الشعب المغربي، إذ أكد أن المجتمع الدولي اعترف بشكل صريح بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الواقعي والنهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء. هذا القرار جاء في سياق وطني خاص، حيث تزامن مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء والذكرى السبعين للاستقلال، ليصبح يومًا للاحتفاء بعيد الوحدة الوطنية وتجديد العهد بين العرش والشعب على صيانة الأرض والهوية. وقع القرار في نفوس المغاربة كان عميقًا، إذ شعروا أن سنوات النضال والتضحيات قد أثمرت، وأن المغرب دخل مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف الدولي والفرح الشعبي، وهو ما عبّر عنه الملك في خطابه حين وصف القرار بأنه منعطف تاريخي يفتح آفاقًا واسعة للتنمية والاستقرار.
الخطاب الملكي لم يقتصر على إعلان الانتصار الدبلوماسي، بل حمل رسائل متعددة. أولها البشرى التي زفها الملك لشعبه بأن مغربية الصحراء أصبحت حقيقة راسخة في المرجعيات الأممية، وثانيها التأكيد على أن المغرب ماضٍ في مسار التنمية الشاملة بأقاليمه الجنوبية، حيث المشاريع الكبرى والبنية التحتية الحديثة تعكس أن الصحراء ليست فقط قضية سياسية بل فضاء للعيش الكريم والازدهار. كما شدد الملك على أن اليد الممدودة لا تزال قائمة، في إشارة إلى أن المغرب مستعد للحوار والتعاون مع كل الأطراف، بما فيها الجزائر، من أجل بناء مستقبل مشترك قائم على حسن الجوار والتنمية الإقليمية. هذه الرسائل جعلت الخطاب الملكي يتجاوز حدود السياسة ليصبح إعلانًا عن رؤية استراتيجية لمغرب موحد، متماسك، ومنفتح على محيطه.
ولكي نفهم عمق هذا التحول، لا بد من العودة إلى السرد الكرونولوجي للنزاع المفتعل. فمنذ انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975، حاولت أطراف إقليمية خلق كيان انفصالي ينازع المغرب سيادته على أقاليمه الجنوبية. جاء رد المغرب بمسيرة خضراء سلمية جسدت وحدة الشعب والعرش، وأكدت أن الصحراء جزء لا يتجزأ من التراب الوطني. في المقابل، تأسست جبهة البوليساريو بدعم مباشر من الجزائر، وبدأت حرب استنزاف استمرت حتى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 تحت إشراف الأمم المتحدة. منذ ذلك التاريخ، ظل النقاش الأممي يدور حول خيارات غير واقعية مثل الاستفتاء، قبل أن يتضح للمجتمع الدولي استحالة تطبيقها عمليًا. في سنة 2007، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي يحفظ السيادة ويضمن لسكان الصحراء تدبير شؤونهم بأنفسهم، وهي المبادرة التي حظيت منذ ذلك الحين بدعم متزايد من القوى الدولية الكبرى. ومع توالي القرارات الأممية، بدأ التركيز ينصب على الحل السياسي التوافقي بدل الاستفتاء، وصولًا إلى القرار 2797 الذي شكل منعطفًا تاريخيًا بإقراره أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن.
الفرحة لم تقتصر على المغاربة داخل الوطن وخارجه، بل امتدت إلى مخيمات تندوف حيث يعيش آلاف المحتجزين منذ خمسة عقود في ظروف قاسية. هؤلاء استقبلوا القرار ببارقة أمل في أن زمن المعاناة قد يقترب من نهايته، وأن الحل الواقعي الذي يضمن لهم العودة إلى أرضهم وكرامتهم أصبح اليوم يحظى بدعم دولي غير مسبوق. مشاهد الفرح التي تناقلتها الأخبار من داخل المخيمات كانت دليلاً على أن القرار لم يكن انتصارًا دبلوماسيًا فحسب، بل كان أيضًا انتصارًا إنسانيًا يفتح الباب أمام إنهاء واحدة من أطول حالات الاحتجاز الجماعي في العالم. لقد شعر المحتجزون أن المجتمع الدولي بدأ يسمع صوتهم وأن سنوات الانتظار الطويلة لم تذهب سدى، وأن مبادرة الحكم الذاتي قد تكون الطريق نحو حياة طبيعية تليق بكرامتهم الإنسانية.
إن يوم 31 أكتوبر لم يكن يومًا عاديًا، بل كان يومًا دخل فيه المغرب ومعه أبناؤه في الداخل والخارج مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف الدولي والفرح الشعبي، وفتح صفحة أمل في أن تنتهي معاناة المحتجزين وأن يعودوا إلى حضن الوطن بعد نصف قرن من الانتظار. لقد كان خطاب الملك بمثابة إعلان عن عيد الوحدة وتجديد البشرى، وإعادة التأكيد على اليد الممدودة، ورسم طريق التنمية، ليجعل من القرار الأممي 2797 ليس فقط وثيقة سياسية بل لحظة تاريخية في وجدان الأمة المغربية. والخاتمة التي تفرض نفسها اليوم هي أن خصوم المغرب مطالبون بالانخراط الجاد في المفاوضات لتنزيل الحكم الذاتي المغربي، باعتبار أن السيادة المغربية قد حُسمت باسم المجتمع الدولي، وأن لا يصدم إخواننا في ما قدمه المنتظم الدولي من بارقة أمل بعد معاناة طويلة، إذ لا حياة إلا في حضن الوطن الغفور الرحيم.
القرار الأممي 2797… بشرى الوحدة وأفق الأمل بعد نصف قرن من النزاع المفتعل


