بقلم: إبراهيم أبهوش
لا يُخفى أن واقع الصحافة يعيش اليوم لحظة حرجة تُختبر فيها المعاني الحقيقية للحياد والاستقلالية، فتكرار عناوين مبالغ فيها من قبيل “برافو السيد…” مرفقة بصورة، دون أي توضيح موضوعي، بات يُوسّع هوّة الثقة بين الإعلام والجمهور، خاصة حين يُقدَّم المديح على أنه حقيقة لا جدال فيها، بينما يفتقر إلى دليل أو إنجاز مُعلن.
المشكل لا يتوقف عند حدود الصياغة، بل يمتد إلى نمط من التمييز المهني المقلق: فمَن يُطبّل ويُبدي الولاء يُستدعى ويُكرَّم، بينما الصحفي المستقل الذي يلتزم بالموضوعية يُقصى ويُعتبر غير مرغوب فيه!! نعم، هو كذلك، فهل أصبح المطلوب أن تكتب فقط ما يُرضي المسؤولين؟ وهل تُقاس المهنية اليوم بمدى طاعتك لخطاب من له المسؤولية؟
وسط هذا المناخ، بات الصحفي الذي يرفض التزيين المجاني يُتّهم بالعداء أو يُوصف بأنه لا يواكب “الإجماع”، وكأن قول الحقيقة صار خروجًا عن الإجماع الوطني أو المهني!!
التعليقات اللاذعة التي تنتشر مثل النار في الهشيم في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، من قبيل “لحّاسين الكابة”، “طبّال”، “حزّار”، “مول زرقلاف”، لا تُعبر فقط عن سخرية، بل تكشف إحساسًا عامًا بفقدان الثقة في الإعلام، وأسئلة لا يمكن التغاضي عنها: هل الصحافة اليوم تُمثّل صوت الناس أم صدى لأصحاب القرار؟
تشجيع من يخدمون المجتمع من أي موقع كان واجب، ولكن التصفيق يجب أن يكون مقرونًا بالدليل، وتحليل الإنجازات يجب أن يسبق التهليل لها.
المواطن اليوم لا يُصفّق لمجرد الصور، بل يريد فهمًا، تفسيرًا، وبرهانًا. يطرح سؤالًا: لماذا كل هذا المدح لهذا المسؤول؟ وأنا مواطن أتقاسم معه اليوم حقوق المواطنين والإنسان، هل يستحق؟ وإن كان يستحق، فلن يُصفّق له الصحفي والإعلامي وحده…
أجزم أن الصحافة التي تفقد بوصلتها تصبح عبئًا على المجتمع بدلًا من أن تكون رافعة للوعي والمساءلة.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى القيم المهنية التي تحفظ للصحفي مكانته واحترامه، وعلى الصحفي أن يتذكّر أن الثقة تُكتسب ولا تُمنح، وأن الفصل بين الرأي والخبر ضرورة مهنية لا مساومة فيها، وأن المصداقية لا تُبنى على الانطباعات، بل على وقائع، وأن التحليل الواعي أهم من المجاملة السريعة.
الصحفي المهني المستقل ليس عدوًا للمسؤولين والمؤسسات، بل هو شريك في البناء إذا كان يُعبّر بضمير، يسأل قبل أن يُصفّق، ويُوضّح قبل أن يُهنّئ.
في زمن الانتقائية، قد يدفع الصحفي ضريبة استقلاله من فرص الظهور والمشاركة، لكنه يُراكم رأسمالًا من الاحترام والثقة لا تُشترى بمقاعد أو بطاقات دعوة. أما ضريبة التطبيل، فهي باهظة على المدى الطويل: تآكل مصداقية، وتراجع تأثير، وانحسار في المكانة المهنية.
وفي الجهة المقابلة، على المسؤول أن يُدرك جيدًا أن من يُصفّق له اليوم وهو يعلم أنه يقول عنه ما ليس فيه، إنما هو كاذب طامع، لا يخدم إلا جيبه ومصالحه الخاصة.
نعم، المسؤول الحكيم هو من يدعو بـ”اللهم ارزقنا البطانة الصالحة”، ويُحيط نفسه بمن ينتقده بصدق، ويُحلّل قراراته بوعي، ويُواجهه من أجل خدمة المجتمع لا من أجل التقرب. فالمديح الذي لا يصدر عن قناعة لا يُفيد، بل يُضلل، ويصنع واقعًا وهميًا لا يصمد أمام الحقائق.
وهنا يأتي السؤال الأشد إلحاحًا: هل نحن بحاجة إلى صحفيين أم إلى وكلاء إشهار؟ الواقع يُثبت أن المجتمع لا يبحث عن تصفيق، بل عن تفسير؛ لا عن مَن يُجامل، بل عن مَن يُضيء له طريق الفهم. يريد الصحفي الذي يضع مصلحة الناس أولًا، ينقل همومهم، ويطرح أسئلتهم، ويضع ثقته في صوتهم كما يضعونه في قلمه.
الصحافة ليست منصّة للإعلانات، بل منبرًا للوعي. وعندما يُفقد هذا الدور، يفقد الإعلام روحه. كما أن الصحافة الحرة ليست ترفًا، بل ضرورة في زمن يموج بالضجيج، فلنحذر، معشر أبناء السلطة الرابعة وصاحبة الجلالة، من أن تُمرغ هذه الألقاب التي سمّاها الرواد للمهنة في التراب، وأن يتحول الإعلام إلى مرآة بلا رؤية، وصوت بلا سؤال، وكلمة بلا مضمون.


