بقلم: ذ. إبراهيم ابهوش صحفي مغربي
انعقد يوم أمس الاثنين 10 نونبر الجاري، اجتماع رفيع المستوى بالديوان الملكي، بأمر من صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، جمع مستشاري جلالته بزعماء الأحزاب السياسية الوطنية الممثلة في البرلمان، بحضور وزيري الداخلية والخارجية، خُصص لتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
ويرى المراقبون والمتتبعون لمسار هذا النزاع الطويل أن هذا الاجتماع لم يكن مجرد محطة تشاورية، بل هو إعلان صريح عن إرادة ملكية تُؤشر على دخول المغرب مرحلة جديدة من التفعيل السياسي والدستوري لمبادرة شجاعة طالما اعتُبرت الحل الواقعي والعملي للنزاع المفتعل حول الصحراء.
الرسالة كانت واضحة: فالمغرب، بقيادة ملكه، لا يكتفي بالدفاع عن المبادرة في المحافل الدولية، بل يباشر اليوم تنزيلها من الداخل، عبر إشراك القوى السياسية الوطنية في صياغة تصور محيّن ومفصل، يراعي التحولات الدولية، ويستجيب لقرار مجلس الأمن 2797، الذي كرّس المبادرة المغربية كأساس جدي وواقعي للتفاوض.
الأحزاب السياسية، من جهتها، أجمعت على دعمها المطلق للمقاربة الملكية، وأكدت التزامها برفع مذكرات تفصيلية إلى جلالة الملك، تتضمن تصوراتها حول الحكم الذاتي، بما يضمن وحدة الوطن وكرامة المواطن.
إن ما يميز هذه المرحلة ليس فقط الإجماع الوطني، بل ما يُنتظر من الأطراف الأخرى في النزاع…
فالجزائر الجارة، التي تواصل إنكار مسؤوليتها المباشرة، مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالتخلي عن منطق “المعارضة من أجل المعارضة”، والتفاعل مع اليد المغربية الممدودة، التي أكدها جلالة الملك في خطابه بمناسبة عيد الوحدة، حين تحدث عن “لا غالب ولا مغلوب”، و”المطلوب” في أفق مغاربي جديد، قوامه التعاون لا التنازع، والتنمية لا التفرقة.
أما جبهة البوليساريو، التي تحتجز أكثر من 35 ألف مغربي في ظروف قاسية بمخيمات تندوف، فعليها أن تدرك أن الزمن لم يعد زمن الشعارات، بل زمن الحلول الواقعية التي تضمن لهؤلاء المواطنين العودة إلى وطنهم، والعيش بكرامة في حضن وطن غفور رحيم بأبنائه.
المغرب إذن لا يطرح الحكم الذاتي كتنازل عن سيادته الوطنية على صحرائه التي أقرّها مجلس الأمن الدولي، بل كخيار استراتيجي يضمن السيادة والوحدة بمفهوم المواطنة، في إطار الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد، ويمنح سكان الصحراء حقهم في تدبير شؤونهم المحلية، ضمن نموذج ديمقراطي متقدم، وهو ما يتطلب من الأحزاب السياسية الوطنية أن تتجاوز العموميات، وتقدم تصورات دقيقة تشمل توزيع الصلاحيات، آليات التمويل، الضمانات الدستورية، والتمثيلية المحلية.
كما يُنتظر أن تُربط هذه التصورات بالتأكيد الترافعي دولياً على أن المشاريع التنموية المنجزة بالصحراء واقعية وملموسة، تضمن العيش الكريم، وأنها تدعم إنجاز المزيد لتُحوّل بذلك الصحراء إلى قطب اقتصادي وثقافي، لا مجرد مجال ترابي مسترجع.
في هذا السياق، يمكن استلهام تجارب دولية ناجحة في الحكم الذاتي، مثل كاتالونيا وجزر الكناري القريبة من أقاليمنا الجنوبية في إسبانيا، وكيبيك في كندا، وجزر فارو في الدنمارك، حيث يشكل الحكم الذاتي آلية لتقوية الوحدة الوطنية، لا لتفكيكها.
فالمغرب، بتجربته في الجهوية المتقدمة، يمتلك من الرصيد المؤسساتي ما يؤهله لتقديم نموذج متفرد، يزاوج بين الخصوصية المحلية والانتماء الوطني.
كما يُنتظر أن تتضمن التصورات الحزبية مقترحات لإشراك المجالس الجهوية والبلدية، ومنظمات المجتمع المدني، والصحافة والإعلام، والشباب والنساء في القيادة المحلية، لضمان تمثيلية حقيقية، ويمكن أن تشمل أيضاً آليات تمويل مستقلة للجهة، مع رقابة وطنية، وسنّ قوانين تنظيمية خاصة بالصحراء المغربية، بل وحتى تعديل بعض الفصول الدستورية لتكريس الحكم الذاتي كخيار استراتيجي دائم في إطار المغرب الموحد.
اجتماع كبار مستشاري الملك أمس، ليس مجرد محطة سياسية، بل هو لحظة تأسيسية لمسار جديد في تدبير ملف الصحراء المغربية. إنه إعلان عن دخول المغرب مرحلة التفعيل السياسي والدستوري لمبادرة الحكم الذاتي، عبر مقاربة تشاركية، مدعومة بإجماع وطني، ومرتكزة على الشرعية الدولية.
الأحزاب السياسية اليوم أمام امتحان وطني حقيقي، يستوجب ويستوعب دقة وقوة المرحلة في أبعادها الوحدوية والدولية، وهو ما يعني وضع صياغة استشرافية لتصور واقعي، ديمقراطي، ومندمج، يضمن التنمية، المصالحة، والاستقرار في إطار السيادة المغربية، ويجعل من الصحراء المغربية نموذجاً للتعايش، والكرامة، والريادة الإقليمية، ويفتح الباب أمام مغرب كبير، متصالح، ومؤثر في محيطه المغاربي والإفريقي.


