بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش |
الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يشكل منعطفًا حاسمًا في مسار العدالة المجالية والمسؤولية الوطنية، حيث أعطت وزارة الداخلية الضوء الأخضر لانطلاق اللقاءات التشاورية الخاصة بهذه البرامج، في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في منطق التخطيط الترابي بالمغرب. وقد استبقت جهة كلميم وادنون البادرة اليوم كبوابة الصحراء المغربية، لانطلاق هذه المشاورات ، لتشمل أقاليمها الأربعة: سيدي إفني، آسا الزاك، كلميم، وطانطان، بحضور ممثلي السلطات الترابية، المنتخبين، الفاعلين المدنيين، والخبراء المحليين.
هذا الانطلاق يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه اللقاءات على تجاوز الطابع البروتوكولي، والتحول إلى لحظة تأسيسية تعيد الاعتبار للمجال الجبلي والبحري والصحراوي، وتترجم الإرادة المركزية إلى مشاريع فعلية تعالج الفوارق المجالية وتعيد توزيع فرص التنمية بعدالة. وفي ظل التحولات التي يعرفها المغرب، يبرز سؤال أعمق: هل يمكن تحقيق تنمية ترابية منصفة دون إعادة الاعتبار للمجال الصحراوي؟ وهل الجيل الجديد من هذه البرامج قادر فعلاً على تجاوز التفاوتات البنيوية التي راكمتها عقود من السياسات المركزية؟ هذه الأسئلة، رغم طابعها التقني، تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، خصوصًا في الجهات الصحراوية الثلاث وايضا مايصطلح عليه بمغرب الهوامش كمدن الصحراء الشرقية .
لقد حمل هذا الجيل الجديد من البرامج التنموية وعدًا واضحًا بالقطع مع المقاربات القطاعية المجزأة، واعتماد رؤية مندمجة تنطلق من خصوصيات كل مجال ترابي. غير أن هذا الطموح، رغم وجاهته، يصطدم بإكراهات واقعية لا يمكن التغاضي عنها. فتوفر التمويل لا يكفي إذا غاب التنسيق، والمخططات تبقى ناقصة إذا ظلت النخب المحلية خارج معادلة القرار. تنزيل هذه البرامج في الجهات الصحراوية يواجه تحديات مركبة، تبدأ من ضعف الحكامة وتصل إلى غياب العدالة المجالية داخل الجهة نفسها، حيث تتفاوت فرص الولوج إلى الخدمات وتتباين مستويات العيش بين مناطق مثل العيون والسمارة، الداخلة وأوسرد، مما يطرح سؤالًا حارقًا: من يضمن ألا تتحول التنمية إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت بدل معالجته؟
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الإشارة الملكية القوية إلى التفاوتات المجالية، والتي جاءت كجرس إنذار من أعلى سلطة في البلاد، ما يعني أن ساعة الحقيقة قد اقتربت. فالتفاوت المجالي لم يعد مجرد خلل في توزيع المشاريع، بل أصبح تهديدًا صامتًا لتماسك الوطن وعدالة الانتماء.
ولأن التنمية في الصحراء ليست مجرد ورش اقتصادي، بل تعبير سيادي عن مغربية الأرض والإنسان، فإن قدرة الدولة على تحويل المجال إلى رافعة استراتيجية تبرز في كون الصحراء بوابة المغرب نحو إفريقيا، ومركزًا محوريًا في مشروع الربط الأطلسي، ومجالًا واعدًا في الطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق. لذلك، فإن هذه البرامج لا يجب أن تتحول إلى شعارات موسمية، بل إلى نموذج تنموي صحراوي خاص، ينبني على التمكين الاقتصادي للشباب والنساء، وتثمين الرأسمال اللامادي، وإرساء حكامة تشاركية تجعل من المواطن شريكًا لا مجرد مستفيد.
وإذا كانت الجماعات الترابية بالعالم القروي هي أكبر المتضررين من هذه التفاوتات، فإن ذلك يضعنا أمام مسؤولية تاريخية في إعادة صياغة منطق التنمية ليشمل الفئات والمجالات التي ظلت لعقود خارج دائرة الاهتمام. فالمواطن القروي لا يطالب بالامتياز، بل بالإنصاف، وبأن يُعامل كفاعل في التنمية لا مجرد متلقي لها. حين يغيب الماء والتعليم والصحة عن قرى نائية، لا يكون الأمر مجرد نقص في الخدمات، بل انتقاصًا من الكرامة الإنسانية، وتهميشًا لجزء من الوطن في معادلة الانتماء. إن العدالة المجالية لا تكتمل إلا بإدماج العالم القروي في صلب السياسات العمومية، عبر تمكينه من أدوات الإنتاج، وتوفير البنيات الأساسية، وفتح المجال أمام شبابه ونسائه للمشاركة الفعلية في صياغة البرامج التنموية. فالتفاوتات التي يعيشها هذا العالم ليست فقط في البنية، بل في التمثيل، في الصوت، وفي القدرة على التأثير. لذلك، فإن أي نموذج تنموي جديد لا يضع العالم القروي في قلب أولوياته، هو نموذج ناقص، لا يعكس روح الإنصاف ولا يضمن الاستقرار الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان اليوم لا يقتصر على إنجاز المشاريع، بل يمتد إلى بناء الثقة، التي لا تُشيد بالإعلانات، بل بالفعل الميداني والشفافية، وبجعل المواطن يرى أثر التنمية في يومه ومعيشه.
فالمجال الصحراوي، بما يحمله من رمزية وسيادة، يستحق أكثر من مجرد وعود، ويستحق نموذجًا تنمويًا يعكس كرامة الإنسان، ويترجم إرادة الدولة في بناء وطن لا يهمّش أحدًا.
وإذا كانت التفاوتات المجالية المحلية والإقليمية والجهوية تعكس الفوارق في توزيع الثروات والخدمات والبنيات الأساسية بين مناطق مختلفة داخل نفس الدولة، فإنها لا تقتصر على مؤشرات اقتصادية أو عمرانية، بل تمتد لتلامس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وتؤثر بشكل مباشر في الإحساس بالكرامة والانتماء. حين يُحرم مواطن في قرية نائية من حقه في التعليم الجيد أو العلاج أو الماء الصالح للشرب، بينما ينعم آخر في مدينة مركزية بكل هذه الحقوق، فإننا لا نتحدث فقط عن تفاوت في التنمية، بل عن تفاوت في الكرامة الإنسانية.
وبما أن المجال ليس مجرد جغرافيا، بل فضاء للحقوق والفرص، فإن اتساع الفجوة بين المجالات يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات، وظهور مشاعر التهميش والإقصاء. المواطن في المناطق المهمشة لا يطلب امتيازات، بل يطالب بالإنصاف، بأن يُعامل كإنسان له نفس الحقوق والاعتبار. فالتفاوتات المجالية تخلق مواطنين بسرعات مختلفة، بآفاق مختلفة، وبأحلام متفاوتة، وهذا ما يُضعف اللحمة الوطنية ويهدد الاستقرار الاجتماعي.
وعليه، فإن العدالة المجالية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية ومؤسساتية. فلا يمكن الحديث عن نموذج تنموي جديد دون معالجة هذه الفوارق، ولا يمكن بناء مغرب الجهات إذا ظلت بعض الجهات خارج معادلة الفعل التنموي. الكرامة الإنسانية تبدأ من الحق في المجال، في أن يشعر المواطن أن موقعه الجغرافي لا يُحدد قيمته ولا يُقيد طموحه.
وإذا تُركت التفاوتات المجالية دون معالجة، فإنها تتحول إلى قنابل صامتة، تُغذي الهجرة نحو المدن ، وتُضعف المشاركة والاستقرار بالعالم القروي ، وتُعمق الإحساس باللاجدوى. لذلك، فإن أي سياسة عمومية جادة يجب أن تنطلق من سؤال بسيط وعميق: هل يشعر كل مواطن، أينما كان، أن له نفس الحق في الحلم؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما يحدد مدى نضج الدولة، وصدقها في احترام كرامة مواطنيها.
وفي ختام هذا المسار التحليلي، فإن تولي وزارة الداخلية إطلاق المشاورات حول إعداد برامج التنمية الترابية المندمجة يعكس تحولًا في منطق التدبير، من مجرد إشراف إداري إلى دور تنسيقي استراتيجي يهدف إلى ضمان حياد العملية التشاركية وحمايتها من التوظيف السياسي، خصوصًا في سياق انتخابي حساس، هذا التدخل يحمل دلالة على رغبة الدولة في تأمين شروط النزاهة والفعالية، وتجاوز اختلالات التجارب السابقة التي شابها التداخل بين الفعل الحزبي والمبادرات التنموية.
وبالموازاة مع ذلك، فإن إشراف وزارة الداخلية يضعها أمام مسؤولية مضاعفة في تأهيل الفاعلين المدنيين والترابيين، وتوفير بيئة مؤسساتية تضمن مشاركة حقيقية للمجتمع المدني، خاصة في المناطق الهشة والمهمشة. فنجاح هذه المشاورات لا يقاس فقط بعدد اللقاءات، بل بمدى قدرتها على إنتاج برامج تعكس حاجيات المواطنين وتؤسس لعدالة مجالية فعلية، بعيدًا عن منطق “السرعتين” الذي أشار إليه الخطاب الملكي.


