بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي|
كثر النقاش العمومي في فضاءات التواصل الاجتماعي ومنتديات الدردشة الفورية حول مصير ساكنة جهة كلميم وادنون التي تضم أقاليم افني آساالزاك كلميم وطنطان بالإضافة لاقليم طرفاية وعدم شموليتها ضمن جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة واذي الذهب المعنيتان بالحكم الذاتي، من الحق في الانتماء لهذه الجهتين المعنيتتن بالحكم الذاتي!!
بين مؤيد ومعارض للمشاركة مجاليا في هاتين الجهتين وبين من يطالب بتذارك الفوارق الاجتماعية والتنموية الشاسعة بين جهة كلميم واقليم طرفاية وبين جهتي العيون الساقية الحمراء وجهة الداخلة وادي الذهب.
يشكل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، كما أقره القرار الأممي رقم 2797، الحل الواقعي والمنصف الذي يُجسد فلسفة “لا غالب ولا مغلوب”، ويكرّس السيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية في إطار مشروع تنموي وإنساني متكامل. فهذا الخيار لم يعد مجرد تصور إداري، بل أصبح ضرورة تاريخية واستراتيجية، تُعيد الاعتبار للإنسان الصحراوي في بيئته، وتمنحه حقه في تقرير مصيره داخل وطنه، تحت راية الوحدة الوطنية.
لقد أثبت المغرب، عبر مسار تاريخي متدرج، التزامه الراسخ باستكمال وحدته الترابية، بدءًا من استرجاع إقليمي طانطان وطرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، فالأقاليم الصحراوية الكبرى: العيون، الساقية الحمراء، السمارة، بوجدور، التي عادت إلى حضن الوطن بفضل المسيرة الخضراء سنة 1975، ثم إقليم وادي الذهب والداخلة سنة 1979، في استكمال ملحمة التحرير السلمي.
وفي هذا السياق، فإن تنزيل الحكم الذاتي لا يكتمل إلا بتفعيل النموذج التنموي الجديد في الأقاليم الجنوبية، عبر تعبئة جماعية تقودها الإدارة الترابية، من خلال السادة ولاة الجهات الجنوبية الثلاث، وعمال الأقاليم من سيدي إفني إلى أوسرد، في إطار علاقة مؤسساتية متكاملة، تستحضر الامتداد التاريخي والاجتماعي والإنساني للمنطقة. كما يتطلب الأمر توحيد الجهود مع الجماعات الترابية، والفعاليات المدنية، والصحافة الوطنية والجهوية، من أجل فتح ورشات عمل ونقاشات تشاركية، تُفضي إلى خلق بنك أفكار يعكس تطلعات الإنسان الصحراوي في مجاله الاجتماعي والبيئي، ويُسهم في ترسيخ أسس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وفق مقاربة تنموية عادلة تُراعي جبر الضرر، وتُهيئ الأجواء الملائمة لعودة من تبقى من المغرر بهم في مخيمات تندوف إلى حضن الوطن الغفور الرحيم.
وإذا كان الإنسان ابن بيئته، كما يقول الفلاسفة، فإن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد نزاع جغرافي، بل هي قضية إنسانية بامتياز، تتصل بالكرامة والانتماء والحق في التنمية. ومن هنا، فإن أي حل يُراد له أن يكون واقعيًا ومستدامًا، لا بد أن يُبنى على رؤية شمولية تُراعي التداخل العميق بين الإنسان ومحيطه، وتُعيد الاعتبار للبعد الثقافي والبيئي في السياسات العمومية، باعتباره مرآة لهوية الإنسان ومصدرًا لكرامته.
لقد أثبتت التجارب أن الحلول التقنية أو الظرفية، مهما بلغت من دقة، تظل قاصرة إذا لم تُؤسس على فهم عميق للإنسان في سياقه البيئي والثقافي. فالتنمية لا تُقاس فقط بالمؤشرات الرقمية، بل بمدى شعور الإنسان بالكرامة والانتماء والقدرة على التأثير في محيطه. والسياسة لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وفي إشراكه الحقيقي في صياغة القرار.
وعليه، فإننا اليوم، في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، أحوج ما نكون إلى إعادة التفكير في الحلول من منظور شمولي، يربط بين العدالة الاجتماعية، والنمو الاقتصادي، والاستقرار السياسي. وهذا لا يتحقق إلا من خلال:
– إعادة الاعتبار للبعد الثقافي الهوياتي والبيئي في السياسات العمومية
– تحقيق العدالة المجالية عبر توزيع عادل للثروات والبنيات التحتية
– تمكين المواطن من أدوات الفعل والمساءلة عبر الديمقراطية التشاركية
– إطلاق ديناميات فكرية ومجتمعية تُعيد صياغة العقد الاجتماعي على أسس الإنصاف والكرامة والاعتراف
إن استحضار شمولية الحل لا يعني التشتت، بل يعني التكامل. فكما أن الإنسان لا يُختزل في بعد واحد، فإن الحلول لا يجب أن تُبنى على منطق الإطفاء المؤقت للحرائق، بل على رؤية استراتيجية تُعيد بناء الثقة، وتُطلق طاقات المجتمع، وتُعيد للسياسة معناها النبيل: خدمة الإنسان.


