
إغلاق منطقة لبريكة.. موريتانيا تحسم حماية حدودها وتؤمّن شريان التجارة الإفريقي
![]()
بقلم: ذ. ابراهيم ابهوش صحفي مغربي|
المتتبع للشأن الموريتاني يدرك حجم التحولات العميقة التي تشهدها البلاد على المستوى الأمني والاقتصادي، حيث أصبح تأمين الحدود الوطنية أولوية قصوى في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة.
إغلاق منطقة “لبريكة” الحدودية مع الجزائر لم يكن مجرد إجراء إداري، بل خطوة استراتيجية امتدت إلى تأمين الطريق السريع الرابط بين مدينة السمارة المغربية وموريتانيا، وهو ممر تجاري محوري لعبور البضائع الدولية نحو العمق الإفريقي. اعتقد أن هذا القرار يعكس حرص نواكشوط على فرض سيادتها ومنع استغلال أراضيها في أي تحركات عسكرية تهدد امنها واستقرارها، ومنه فإن هذا التحرك لم يكن معزولًا عن التغيرات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم، خاصة وأن الجيش المغربي تمكن من تأمين المنطقة العازلة بالكامل، مما دفع موريتانيا إلى إغلاق الطريق أمام عصابات” البوليساريو” الإرهابية، في خطوة عززت الاستقرار الإقليمي وحسنت شروط مرور التجارة الدولية.
ما يزيد أهمية هذا القرار هو إدراك المواطن الموريتاني المتزايد لأهمية تأمين الحدود الوطنية كعامل حاسم في تحقيق التنمية المستدامة والمتجددة ،فعلى الصعيد الأمني، جاء قرار إغلاق منطقة “لبريكة” ضمن استراتيجية أوسع لحماية الأراضي الموريتانية من الجماعات المسلحة التي كانت تنشط منذ عقود، لكن القرار اليوم ساهم بشكل كبير في عزلة البوليساريو المتزايدة ، وتتزامن مع تطور القدرات العسكرية الموريتانية، حيث حصل الجيش على طائرتين مسيرتين صينيتين من طراز BZK-005 Chang Ying، مما عزز قدرته على مراقبة الحدود والتصدي لأي محاولات تسلل… وعلى الرغم من قوة القرار السيادي الموريتاني ، الا أن تهديد إحدى كتائب البوليساريو الجيش الموريتاني على الحدود قوبل برد حاسم، حيث أعلنت القوات الموريتانية أنها ستواجه أي محاولة اختراق بإطلاق النار من طائرات الدرون الموريتانية، مما يعكس تحولًا نوعيًا في العقيدة العسكرية لموريتانيا عكس ما ألفته البوليساريو من تساهل موريتاني…
فإغلاق منطقة لبريكة لم يكن مجرد إجراء أمني، بل أدى إلى عزل البوليساريو عن الدخول إلى الأراضي الموريتانية، مما ساهم بشكل مباشر في تعزيز أمن الحدود والتصدي للجماعات المسلحة التي كانت تعيث فسادًا في التراب الموريتاني.
هذا التحول يعكس نية نواكشوط في التخلص من أي تهديدات يمكن أن تعيق استقرارها الداخلي، وإعادة توجيه جهودها نحو تأمين ممراتها التجارية وضمان استقرارها الاقتصادي .
اليوم، موريتانيا تتجه نحو التنمية المستدامة والمتجددة، تبدو حريصة على حماية شريانها التجاري الحيوي مع المغرب، فإغلاق منطقة” لبريكة” جاء امتدادًا لحماية هذا النموذج الجديد، حيث يُنظر إلى الطريق السريع بين السمارة ونواكشوط كعنصر أساسي في التكامل الاقتصادي بين شمال وغرب إفريقيا. تعزيز التعاون المغربي الموريتاني في هذا السياق يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية بناء شراكات اقتصادية قائمة على تأمين طرق التجارة وضمان انسياب البضائع بسلاسة نحو الأسواق الإفريقية.
وفي ظل إعادة انتشار قوات فاغنر في مناطق مختلفة بعد انسحاب ها من مالي ، يفرض المشهد الأمني في شمال وغرب إفريقيا تحديات جديدة تستوجب من الدول المغاربية تعزيز استقرارها الداخلي لحماية سيادتها الوطنية، وهو مايطرح سؤال من قبيل: هل يمكن اعتبار قرار موريتانيا جزءًا من استراتيجية إقليمية أوسع تهدف إلى تفادي أي تأثيرات جيوسياسية غير مرغوبة؟ وهل يشير هذا التحول إلى بداية عهد جديد في السياسة الخارجية الموريتانية، حيث الأولوية لمصالحها الوطنية بعيدًا عن الحسابات التقليدية في ظل انتشار الارهاب والجماعات المسلحة وعدم الاستقرار بمنطقة الساحل والصحراء؟
يمكن القول بأن موريتانيا أعادت رسم موقعها الإقليمي وفق حسابات دقيقة تراعي استقرارها الاقتصادي والأمني، إذ لم يعد بالإمكان تجاهل دورها المتنامي في صياغة موازين القوى المغاربية، ويبدو أيضا أن البلاد اختارت أن تكون طرفًا فاعلًا في حماية مصالحها، بعيدًا عن الصراعات التي لم تؤدِ إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار ، ومع هذه التحولات الاستراتيجية، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في ترسيخ هذا التوجه وضمان تحقيق التوازن الفعلي في المنطقة، وفق رؤية أكثر واقعية وفعالية …

